تخطي إلى المحتوى

القائمة

الأقسام

جميع الحقوق محفوظة © 2026

الحلم يتحقق.. المغرب يقترب من ربط إفريقيا بأوروبا عبر نفق بحري

الحلم يتحقق.. المغرب يقترب من ربط إفريقيا بأوروبا عبر نفق بحري

الرباط اليوم

يمضي المغرب في تعزيز جهوده الرامية إلى إخراج مشروع الربط القاري مع إسبانيا إلى حيز الوجود، من خلال برمجة غلاف مالي يتجاوز 120 مليون درهم، أي ما يقارب 11 مليون يورو، برسم سنة 2027، بهدف مواصلة الدراسات التقنية والعلمية المتعلقة بإنجاز نفق بحري وسككي تحت مضيق جبل طارق، في إطار مشروع استراتيجي يُرتقب أن يحدث تحولا كبيرا في حركة النقل والتبادل التجاري بين إفريقيا وأوروبا.

وتندرج هذه الاعتمادات ضمن الميزانية الاستثمارية لوزارة التجهيز والماء، حيث ستوجه إلى الشركة الوطنية المغربية لدراسات الربط الثابت عبر مضيق جبل طارق (SNED)، التي تعمل بتنسيق مع نظيرتها الإسبانية (SECEGSA)، من أجل استكمال الأبحاث الضرورية وتطوير التصورات التقنية المرتبطة بهذا المشروع الذي يحظى باهتمام متجدد من البلدين.

ورغم أهمية التمويلات المبرمجة، فإن المشروع لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الميداني، إذ تتركز الجهود الحالية على استكمال الدراسات وتحيين المعطيات الهندسية والجيولوجية، إلى جانب تقييم التأثيرات البيئية والجدوى الاقتصادية والإطار القانوني، تمهيدا لتحديد مدى إمكانية الانتقال إلى المراحل العملية مستقبلا.

وتشمل خارطة العمل المغربية خمسة مجالات رئيسية، تتعلق بتحديث الدراسات الهندسية المنجزة سابقا، وتعزيز آليات التقييم البيئي، وإجراء أبحاث معمقة حول طبيعة التكوينات الجيولوجية تحت قاع البحر، فضلا عن إنجاز دراسات اقتصادية وقانونية وجيوستراتيجية، مع مواصلة التنسيق المؤسساتي والتعريف بأهمية المشروع على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي الضفة الشمالية للمضيق، تعمل السلطات الإسبانية بدورها على مراجعة التصور التقني الذي أُعد سنة 2007، بمشاركة الشركة العمومية المتخصصة في الهندسة «إينيكو»، وذلك من أجل ملاءمته مع التطورات التكنولوجية الحديثة وتجاوز بعض الإشكالات التي أظهرتها الأبحاث السابقة، خاصة ما يرتبط بتحديد مسار النفق وربطه بشبكة السكك الحديدية الإسبانية والأوروبية.

وبحسب التصورات المطروحة للدراسة، يُحتمل أن تحتضن المنطقة القريبة من فيخير المحطة الشمالية للمشروع، بينما يتجه المسار المقترح في الجانب المغربي نحو منطقة رأس مالاباطا بمدينة طنجة. كما يجري بحث إمكانية إقامة المدخل الإسباني بالقرب من عتبة كامارينال، الواقعة بين طريفة وزاهارا دي لوس أتونيس، وهو ما يفرض دراسة مختلف الخيارات المتعلقة بالبنيات التحتية السككية اللازمة لضمان الربط بين الجانبين.

وتكتسي الدراسات الجيولوجية أهمية خاصة بالنظر إلى التعقيدات الطبيعية التي تميز مضيق جبل طارق، حيث تنخرط مؤسسات علمية إسبانية، من بينها المجلس الأعلى للبحث العلمي والمعهد الجيولوجي والتعديني والمعهد الإسباني لعلوم المحيطات ومعهد علوم البحار، في أبحاث ميدانية تهدف إلى تحليل طبيعة قاع البحر وتحديد خصائص الرواسب والطبقات الصخرية.

وتسعى هذه الأبحاث إلى إعداد نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد للمنطقة المستهدفة، مع دراسة النشاط الزلزالي والحركات التكتونية باستعمال أجهزة رصد متطورة تثبت في أعماق البحر، بما يسمح بتقييم المخاطر المحتملة وتحديد الشروط الهندسية الضرورية لإنجاز منشأة بهذا الحجم والتعقيد.

ويعود تاريخ التعاون المغربي الإسباني بشأن الربط الثابت عبر المضيق إلى سنة 1979، قبل أن يتطور إلى إطار مؤسساتي مشترك تُوج سنة 1981 بإحداث الشركتين المكلفتين بالدراسات. وبعد فترات من التباطؤ، عاد المشروع إلى صدارة أجندة التعاون الثنائي في أبريل 2023، بمناسبة انعقاد الاجتماع الثالث والأربعين للجنة المشتركة بالرباط، الذي شهد الاتفاق على إعادة تنشيط الدراسات ووضع برنامج عمل يمتد لثلاث سنوات.

ومن جهتها، خصصت إسبانيا تمويلا بقيمة 2.3 مليون يورو من الموارد الأوروبية لدعم تحديث الدراسات، في حين يمثل الغلاف المالي الذي برمجه المغرب لسنة 2027 مساهمة جديدة في تطوير المشروع وتوفير المعطيات العلمية والتقنية اللازمة لتقييم فرص إنجازه.

وتتجاوز الأهداف المرتبطة بهذا الورش مسألة إحداث ممر للنقل بين ضفتي المتوسط، إذ يراهن المغرب على الاستفادة من موقعه الجغرافي لتعزيز حضوره داخل شبكات التجارة الدولية، وتحويل المملكة إلى حلقة وصل رئيسية بين الأسواق الإفريقية والأوروبية.

ومن شأن إنجاز الربط السككي، في حال تحقق الشروط اللازمة، أن يساهم في تسهيل تنقل المسافرين ونقل البضائع، ورفع تنافسية المنظومة اللوجستية الوطنية، فضلا عن منح دفعة جديدة للمناطق الصناعية والموانئ المغربية، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط ومشروع الناظور غرب المتوسط.

كما يتقاطع المشروع مع الاستثمارات الكبرى التي يواصل المغرب تعبئتها لتحديث شبكاته الطرقية والسككية وتوسيع قدراته المينائية، في إطار توجه يروم تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وتطوير الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوزيع العالمية.

ورغم مرور عقود على طرح فكرة النفق البحري بين المغرب وإسبانيا، فإن استمرار الدراسات وتعبئة التمويلات يعكسان رغبة البلدين في إبقاء هذا المشروع ضمن أولوياتهما الاستراتيجية، خصوصا في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي ترفع من أهمية الربط المباشر بين إفريقيا وأوروبا.

ويبقى الانتقال إلى مرحلة الإنجاز الفعلي رهينا بنتائج الدراسات التقنية والجيولوجية والاقتصادية، ومدى قدرة الطرفين على توفير التمويلات والضمانات الضرورية. غير أن المشروع، في حال تجسيده على أرض الواقع، قد يشكل نقلة تاريخية في منظومة النقل العابرة للقارات، ويحول مضيق جبل طارق من حاجز جغرافي إلى محور رئيسي للتواصل التجاري والاقتصادي بين المغرب وأوروبا.