الوساطة بين الدولة والصحافيين المعتقلين: كيف نجح الرميد فيما فشل فيه بنكيران؟
الرباط اليوم
في السنوات الأخيرة، شهد حزب العدالة والتنمية تحولات داخلية عميقة، تعكسها العلاقة المتغيرة بين اثنين من أبرز قياداته: عبد الإله بنكيران ومصطفى الرميد. وبينما كان الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران رمزًا سياسيًا بارزًا خلال فترة رئاسته للحكومة، فإن دوره بعد فشله من تشكيل الحكومة في عام 2016 أصبح محل جدل واسع. في المقابل، نجح مصطفى الرميد في الحفاظ على مكانته كرجل دولة، مؤكدًا على دوره في التوسط وحل القضايا الحساسة التي تواجهها البلاد.
بعد إعفائه من تشكيل الحكومة في عام 2016 وحل مكانه سعد الدين العثماني والذي نجح بالمناسبة من تشكيلها بقبوله دخول حزب الإتحاد الإشتراكي، تغيرت ديناميكية عبد الإله بنكيران بشكل كبير. في الوقت الذي كان يُنتظر منه أن يلعب دورًا أكبر كرجل دولة يسعى لحل الأزمات الوطنية والتوسط بين الدولة ومعارضيها، خاصة التيار الإسلامي، ركز بنكيران جهوده على تعزيز موقعه داخل حزب العدالة والتنمية.
ورغم استمراره في الحفاظ على شعبيته بين قواعد الحزب، فإن تأثيره الفعلي على مستوى الدولة تراجع بشكل ملحوظ. بنكيران لم يعد الوسيط الفاعل الذي كان عليه خلال فترة رئاسته للحكومة، بل أصبح يركز أكثر على تصفية حساباته الشخصية مع خصومه السياسيين داخل الحزب وخارجه. هذا التحول جعله أكثر انعزالًا عن القضايا الوطنية الكبرى، حيث بات ينظر إليه كقائد يهتم بمواقفه الشخصية أكثر من المصلحة العامة.

في المقابل، مصطفى الرميد، الذي كان يُعتبر أحد كبار داعمي بنكيران خلال فترة رئاسته لحكومة 2011، أثبت قدرته على الحفاظ على دوره كرجل دولة حتى بعد تغير المشهد السياسي داخل الحزب. وزير الدولة وحقوق الإنسان السابق “الرميد” استطاع أن يلعب دورًا محوريًا في قضايا حساسة، مستفيدًا من علاقاته مع مختلف الأطراف.
أحد أبرز الأدوار التي لعبها الرميد كان التوسط بين الدولة والصحافيين المعتقلين، وعلى رأسهم توفيق بوعشرين. لم يكتفِ الرميد بزيارتهم والتحدث معهم حول وجهة نظره التي تخدم مصلحة الوطن، بل ذهب إلى أبعد من ذلك من خلال إقناع صناع القرار في الدولة بضرورة إطلاق سراح هؤلاء الصحافيين. وقد أثمرت جهوده في النهاية بإعفاء الملك عنهم بمناسبة عيد العرش، مما يعكس تأثيره الكبير في القرارات العليا ويعزز من صورته كرجل دولة قادر على حل الأزمات.

الفرق الجوهري بين بنكيران والرميد يكمن في كيفية تعاملهما مع التغيرات السياسية داخل الحزب وداخل المشهد الوطني. بنكيران، الذي لم يستطع الانتقال إلى دور أكبر بعد مغادرته الحكومة، بات يركز على تعزيز نفوذه داخل الحزب فقط، مستغلًا موقعه كأمين عام لتصفية حساباته مع خصومه. في المقابل، حافظ وزير العدل السابق في حكومة عبد الإله بنكيران “الرميد” على مكانته كوسيط فاعل بين الدولة والأطراف المتنازعة، مما جعله لاعبًا رئيسيًا في المشهد السياسي حتى في أصعب الظروف.
إن التباين بين عبد الإله بنكيران ومصطفى الرميد يعكس بشكل واضح التحديات والتحولات التي يواجهها حزب العدالة والتنمية في المرحلة الحالية. ففي الوقت الذي تراجع فيه دور بنكيران على مستوى الدولة، استمر الرميد في لعب دور محوري في حل القضايا الوطنية الكبرى. هذه التحولات قد تحدد مستقبل الحزب وتوجهاته في السنوات القادمة، خاصة في ظل استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهه.

ورغم تصريحات مصطفى الرميد حول اعتزاله السياسة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان سيعود للمنافسة على الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية في المستقبل. هذا السيناريو يمكن أن يشكل تحديًا حقيقيًا لعبد الإله بنكيران، الذي لا يزال يحتفظ بموقعه الحالي كأمين عام للحزب، ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي للحزب الذي يواجه بالفعل ضغوطًا متعددة. عودة الرميد إلى الساحة السياسية قد تعيد تشكيل التوازنات داخل الحزب وتفتح فصلًا جديدًا في صراع القيادات داخل العدالة والتنمية.