بركة رئيساً للحكومة ولقجع ممسكاً بوزارة المالية؟ سيناريو ما بعد 23 شتنبر
الرباط اليوم
بينما ينشغل جزء كبير من النقاش السياسي والإعلامي في المغرب بالمواجهة الانتخابية بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، يبدو أن طرفاً ثالثاً يتحرك بإيقاع مختلف، بعيداً عن الضجيج والمواجهات اليومية: حزب الاستقلال بقيادة نزار بركة.
فهل تكون المفاجأة بعد اقتراع 23 شتنبر بتصدر “الميزان” للمشهد، بما يفتح الطريق أمام نزار بركة لرئاسة الحكومة المقبلة؟ وهل يمكن أن يقود هذا السيناريو إلى إعادة رسم التحالفات، مع حضور قوي لفوزي لقجع في القطب الاقتصادي والمالي للحكومة؟
أسئلة أصبحت مشروعة في ضوء التحركات الأخيرة، لكنها تظل مرتبطة أولاً بما ستفرزه صناديق الاقتراع.
الجميع يراقب الأحرار والبام.. والاستقلال يتحرك بهدوء
من يتابع الحملة الانتخابية قد يخرج بانطباع أولي بأن المعركة الأساسية تدور بين “الحمامة” و”الجرار”، خصوصاً مع ارتفاع حدة الخطاب والتنافس بين مكونات المشهد السياسي.
لكن التركيز على هذه المواجهة قد يحجب تحركات حزب الاستقلال.
فالحزب لا يبدو راغباً في الدخول في كل سجال، ولا يسعى إلى احتلال واجهة النقاش السياسي يومياً. غير أن هذا الهدوء لا يعني بالضرورة ضعف الحضور الميداني.
والدليل الأبرز جاء من العيون، حيث شهدت المدينة تجمعاً انتخابياً ضخماً لحزب الاستقلال، قالت قيادة الحزب إن عدد المشاركين فيه تجاوز 60 ألف شخص، بحضور نزار بركة وقيادات استقلالية بارزة.
وذهب بركة في خطابه إلى الحديث عن الحكومة المقبلة باعتبارها “حكومة تنزيل الحكم الذاتي”، وهو خطاب يوحي بأن قيادة الاستقلال تخوض الحملة بسقف سياسي يتجاوز مجرد تحسين موقع الحزب داخل البرلمان.
“غواصة” انتخابية؟
يمكن تشبيه طريقة اشتغال الاستقلال خلال هذه الحملة بـ”الغواصة”: حركة أقل ظهوراً فوق سطح السجالات اليومية، مقابل تعبئة تنظيمية وميدانية تحاول التقدم بهدوء.
إنه توصيف تحليلي وليس حقيقة قابلة للقياس، لكن تجمع العيون قدم مؤشراً على أن الحزب يمتلك قدرة تعبوية لا ينبغي تجاهلها عند قراءة سباق 23 شتنبر.
ومن هنا يصبح السؤال: هل المنافس الذي ينبغي مراقبته إلى جانب الأحرار والبام هو الاستقلال أيضاً؟
الجواب النهائي لن تقدمه المهرجانات ولا حجم الحضور فيها، وإنما عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب.
لكن المؤكد أن استبعاد “الميزان” مسبقاً من حسابات الصدارة قد يكون متسرعاً.
وماذا عن التحالف بين الميزان والجرار؟
هنا تبدأ الحسابات الأكثر تعقيداً.
إذا أفرزت الانتخابات تقارباً في النتائج، فإن طبيعة التحالفات التي ستتشكل بعد 23 شتنبر ستصبح عنصراً مركزياً في تحديد شكل الأغلبية الحكومية.
وفي هذه الحالة، يصبح التقارب المحتمل بين الاستقلال والأصالة والمعاصرة ورقة مهمة في الحسابات.
فإذا تمكن الاستقلال من تحقيق نتيجة تضعه في الصدارة، فإن رئاسة الحكومة ستذهب، دستورياً، إلى شخصية من الحزب المتصدر، بينما ستبدأ بعد ذلك مفاوضات تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب الحكومية.
وهنا يمكن تصور سيناريو يكون فيه “الميزان” في رئاسة الحكومة و”الجرار” شريكاً أساسياً فيها.
لقجع يدخل المعادلة
فالرجل انتقل خلال الأشهر الأخيرة من موقع المسؤول الحكومي والتقني إلى الحضور الحزبي المباشر داخل الأصالة والمعاصرة، وأصبح عضواً في مكتبه السياسي، رغم عدم خوضه الانتخابات في دائرة بركان.
والأهم أن لقجع أصبح حاضراً بقوة في حملة “البام”، خصوصاً في الملفات الاقتصادية والمالية، إذ تحدث خلال تجمعات الحزب عن كلفة برنامجه ومصادر تمويله، وهو ما يعزز صورته كأحد الوجوه الاقتصادية البارزة داخل التنظيم.
كما تحدث لقجع عن دخوله العمل السياسي وحدود طموحه داخل الأصالة والمعاصرة، مؤكداً أن الأولوية الحالية بالنسبة إليه هي مساهمة الحزب في تحقيق نتيجة قوية في انتخابات 23 شتنبر، فيما ترك المراحل التنظيمية اللاحقة مفتوحة على التقييم بعد الانتخابات.
بركة في رئاسة الحكومة ولقجع في المالية؟
هنا يمكن بناء واحد من السيناريوهات السياسية لما بعد الانتخابات:
الاستقلال يتصدر النتائج، شخصية من الحزب تتولى رئاسة الحكومة، والأصالة والمعاصرة يدخل شريكاً أساسياً في الأغلبية، فيما يصبح فوزي لقجع اسماً مطروحاً لتولي مسؤولية أوسع داخل القطب الاقتصادي والمالي.
ولقجع يعرف وزارة المالية من الداخل، فهو يشغل حالياً منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ولذلك فإن فرضية انتقاله إلى مسؤولية أوسع في وزارة الاقتصاد والمالية ستبدو امتداداً لمساره الحكومي.
لكن لا توجد، إلى حدود الآن، معطيات مؤكدة تسمح بالقول إن اتفاقاً حُسم لمنح لقجع وزارة الاقتصاد والمالية كاملة في حكومة يرأسها الاستقلال.
إنه سيناريو سياسي محتمل، وليس ترتيباً معلناً.
وهل يمكن أن يقود لقجع “البام” لاحقاً؟
السؤال الأكثر إثارة يتعلق بمستقبل الأصالة والمعاصرة نفسه.
فإذا لم يتصدر الحزب الانتخابات، ثم دخل حكومة يقودها حزب آخر، فقد تفتح النتائج نقاشاً داخلياً حول المرحلة التنظيمية المقبلة.
وجود لقجع داخل المكتب السياسي، وحضوره المتزايد في الحملة، يجعلان اسمه جزءاً من النقاش حول مستقبل الحزب، لكن القفز من ذلك إلى الجزم بأنه سيترأس الأصالة والمعاصرة مستقبلاً سيكون سابقاً لأوانه.
فلقجع لم يعلن سعياً إلى قيادة الحزب، بل أكد أن الأولوية الحالية هي الانتخابات، وأن لكل مرحلة تقييمها الخاص لاحقاً.
نزار بركة.. الرجل الذي قد يستفيد من صراع الآخرين
السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام سياسياً هو أن ينشغل الأحرار والبام بمواجهة بعضهما، بينما يواصل الاستقلال حشد قواعده بعيداً عن تلك المواجهة.
عندها قد يصبح الهدوء الذي اختاره نزار بركة خلال الحملة جزءاً من استراتيجية انتخابية تقوم على ترك المنافسين يستنزفون بعضهم في السجال، والتركيز بدلاً من ذلك على التعبئة الميدانية.
وتجمع العيون، الذي قال الحزب إن حضوره تجاوز 60 ألفاً، أعطى لمحة عن حجم التعبئة التي يستطيع الاستقلال إظهارها عندما يقرر استعراض قوته التنظيمية.
لكن الحشود لا تساوي تلقائياً أصواتاً، والأصوات لا تتحول بالطريقة نفسها إلى مقاعد في جميع الدوائر. لذلك سيظل الاختبار الحقيقي يوم 23 شتنبر.
23 شتنبر.. موعد كشف الأوراق
بعدها فقط ستتضح حقيقة موازين القوى.
قد يواصل التجمع الوطني للأحرار حضوره القوي، وقد يحقق الأصالة والمعاصرة نتيجة تمنحه موقعاً متقدماً، وقد يفاجئ حزب الاستقلال المتابعين بنتيجة تعيد ترتيب المشهد.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: من سيفوز في المواجهة بين الأحرار والبام؟
بل أيضاً: هل انشغل الجميع بتلك المواجهة وتركوا نزار بركة يتقدم بهدوء؟
أما سيناريو الاستقلال في رئاسة الحكومة، والأصالة والمعاصرة شريكاً أساسياً، ولقجع في موقع أقوى داخل المالية، فسيظل فرضية مفتوحة إلى أن تتحدث صناديق الاقتراع وتبدأ بعدها مفاوضات تشكيل الأغلبية.
ففي السياسة، أحياناً لا يكون الطرف الأكثر ضجيجاً هو الطرف الذي ينبغي مراقبته أكثر.
