الرباط اليوم
مع استمرار فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، في مشاوراتها لتشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة، بدأت خريطة المعارضة داخل مجلس النواب المقبل تتضح شيئا فشيئا، وإن كانت بعض مواقع الأحزاب لم تُحسم بعد بشكل نهائي.
المؤكد، إلى حدود الآن، أن حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار يتجهان إلى ممارسة أدوارهما من موقع المعارضة، فيما تتزايد المؤشرات بشأن احتمال التحاق التجمع الوطني للأحرار بالمعسكر نفسه. في المقابل، لا تزال خيارات أحزاب أخرى، من بينها التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، مرتبطة بما ستسفر عنه الجولة الحالية من المشاورات.
نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، لم يغلق الباب أمام انتقال حزبه إلى صفوف المعارضة، إذ اعتبر، أمس الثلاثاء، أن هذا التموقع يظل خيارا مطروحا للنقاش ويمكن أن تكون له مبرراته السياسية، في وقت أقر فيه بأن خيار المشاركة الحكومية ليس سهلا، بالنظر إلى ما يطرحه من أسئلة حول موقع الحزب ودوره في الاستجابة لانتظارات المواطنين.
وجاء هذا الموقف بعد اللقاء الذي جمع بنعبد الله، الاثنين، بفاطمة الزهراء المنصوري ضمن مشاورات تشكيل الحكومة، وهو ما يجعل قرار التقدم والاشتراكية واحدا من العناصر التي قد يكون لها تأثير في رسم الحدود النهائية بين الأغلبية والمعارضة.
لكن العنصر الأكثر إثارة في تركيبة المعارضة المحتملة يبقى وضع التجمع الوطني للأحرار. فالحزب، في حال انتقاله إلى المعارضة، سيغادر رئاسة الحكومة التي تولاها خلال الولاية السابقة ليجد نفسه في موقع مراقبة ومساءلة حكومة جديدة.
وهو انتقال يحمل في طياته مفارقة سياسية واضحة، إذ سيكون الأحرار مطالبين بانتقاد سياسات الحكومة المقبلة، وفي الوقت نفسه بالدفاع عن حصيلة خمس سنوات من تدبيرهم للشأن الحكومي، خاصة في الملفات التي قد تعمد الأغلبية الجديدة إلى مراجعتها أو تغيير توجهاتها.
وفي حال تأكد هذا السيناريو، سيجد التجمع الوطني للأحرار نفسه إلى جانب حزب العدالة والتنمية ضمن أكبر الكتل البرلمانية الموجودة خارج الحكومة. فالأحرار يتوفرون على 66 مقعدا، مقابل 54 مقعدا للعدالة والتنمية، أي ما مجموعه 120 مقعدا، دون احتساب تمثيلية تحالف اليسار أو أي قوة سياسية أخرى قد تنضم إلى المعارضة.
غير أن قوة الأرقام لا تعني بالضرورة تشكل جبهة سياسية موحدة.
فالعلاقة بين الأحرار والعدالة والتنمية مرت تاريخيا بمحطات من التنافس والتوتر، كما أن الحزبين ينطلقان من مرجعيات وتجارب سياسية مختلفة. وتبقى أزمة تشكيل حكومة 2016 واحدة من أبرز محطات هذا الصراع، بعدما تحولت مفاوضات تشكيل الأغلبية آنذاك إلى مواجهة سياسية انتهت بإعفاء عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة.
لذلك، قد يتحول وجود الحزبين معا في المعارضة إلى منافسة داخل المعارضة نفسها، حول من يستطيع فرض موقعه باعتباره القوة الرئيسية في مواجهة الحكومة.
الأحرار سيحملون معهم تجربة خمس سنوات من قيادة الجهاز التنفيذي، بينما يعود العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية بـ54 مقعدا وبخطاب معارض يسعى من خلاله إلى استعادة حضوره السياسي بعد التراجع الكبير الذي سجله خلال الولاية السابقة.
وبين الحزبين، قد تبدأ معركة أخرى على المبادرة داخل مجلس النواب، وعلى الحضور الإعلامي والتأثير في النقاش العمومي واستقطاب أصوات الناخبين استعدادا للمحطات السياسية المقبلة.
وتزداد الصورة تعقيدا مع حضور تحالف اليسار في المعارضة، ما قد يجعل الولاية المقبلة أمام مشهد معارض شديد التنوع: عدالة وتنمية بمرجعيته الإسلامية، وتجمع وطني للأحرار بتجربته الحكومية وقاعدته الانتخابية المرتبطة بالنخب والمنتخبين، ويسار يحمل تصورات اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة عن الطرفين.
وبذلك، قد لا تكون المعارضة المقبلة كتلة سياسية واحدة بقدر ما ستكون فضاء يجمع قوى متباعدة في المرجعيات والتصورات، يوحدها موقعها خارج الحكومة أكثر مما يجمعها مشروع سياسي مشترك.
وهنا تبرز إحدى أهم معادلات المرحلة بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر للانتخابات بـ97 مقعدا.
فوجود معارضة كبيرة عدديا لا يعني بالضرورة أنها ستكون أكثر إزعاجا للحكومة. وعلى العكس، فإن توزيع مقاعد المعارضة بين قوى سياسية متنافسة ومختلفة في المرجعيات قد يمنح الأغلبية المقبلة هامشا أوسع للحركة، خصوصا إذا تحولت المنافسة بين مكونات المعارضة إلى صراع على زعامة الصف المعارض.
وعليه، قد تكون المفارقة الأبرز في البرلمان المقبل هي وجود معارضة وازنة من حيث عدد المقاعد، لكنها مطالبة أولا بحسم خلافاتها وتنافساتها الداخلية قبل أن تتمكن من تشكيل جبهة سياسية متماسكة في مواجهة حكومة المنصوري.
