وثائق أمريكية تكشف المستور.. هل كانت إسبانيا مستعدة لإعادة مليلية للمغرب؟
الرباط اليوم
قبل عقود من الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول رفقة زوجته صوفيا إلى سبتة ومليلية، كان مستقبل المدينتين حاضرا بقوة في النقاشات السياسية والأمنية داخل إسبانيا، خصوصا في ظل العلاقة الحساسة مع المغرب.
وتكشف وثائق دبلوماسية أمريكية رُفعت عنها السرية أن خوان كارلوس الأول ناقش، أواخر سبعينيات القرن الماضي، تصورات غير مسبوقة لمعالجة الملف، من بينها إمكانية التخلي عن مليلية لصالح المغرب، مقابل إخضاع سبتة لنظام دولي، وسط مخاوف مدريد آنذاك من إقدام الملك الراحل الحسن الثاني على تكرار سيناريو المسيرة الخضراء.
لقاء سري داخل قصر زارزويلا
تعود تفاصيل القضية إلى سنة 1979، بعد سنوات قليلة من نهاية عهد فرانكو، عندما استقبل خوان كارلوس الأول في قصر زارزويلا السيناتور الأمريكي إد موسكي، الذي كان يقوم بجولة أوروبية بصفته مبعوثا شخصيا للرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
الاجتماع، الذي دام أكثر من ساعة ونصف وحضره السفير الأمريكي في مدريد تيرينس تودمان، تحول إلى مناسبة لمناقشة عدد من القضايا الحساسة، وفي مقدمتها مستقبل سبتة ومليلية.
ووفق ما أورده المؤرخ تشارلز باول في كتابه «خوان كارلوس الأول.. ملك من أجل الديمقراطية»، فقد عرض العاهل الإسباني أمام ضيفيه الأمريكيين مجموعة من السيناريوهات الممكنة، كان أبرزها انتقال مليلية إلى المغرب خلال فترة قصيرة، مقابل وضع سبتة تحت صيغة دولية شبيهة بالنظام الذي كانت تخضع له طنجة ما بين 1923 و1956.
واشنطن توثق تفاصيل الحديث
لم يبق مضمون اللقاء حبيس القصر الملكي، إذ نقلت السفارة الأمريكية في مدريد تفاصيله إلى وزارة الخارجية في واشنطن عبر برقية دبلوماسية سرية، قبل أن يتم رفع السرية عنها سنة 2014.
وتشير الوثيقة إلى أن خوان كارلوس كان يعتبر سبتة ومليلية من أبرز القضايا العالقة في العلاقات بين الرباط ومدريد.
وبالنسبة إلى مليلية، كان الملك الإسباني يرى أن إيجاد تسوية بشأنها قد يكون أقل تعقيدا، مستندا إلى عدد السكان الإسبان المقيمين فيها آنذاك، والذي قدر بنحو عشرة آلاف شخص.
حتى موقف الجيش الإسباني كان حاضرا في حساباته. فقد توقع أن تواجه أي خطوة من هذا النوع اعتراضا داخل المؤسسة العسكرية، لكنه اعتبر أن بإمكانه احتواء رد الفعل، وأن موجة الغضب قد لا تستمر أكثر من شهرين.
سبتة.. المعادلة الأصعب
الوضع بالنسبة إلى سبتة كان مختلفا في تقدير خوان كارلوس، بسبب وجود نحو 60 ألف إسباني فيها آنذاك، ما جعل خيار التخلي المباشر عنها أكثر تعقيدا من الناحيتين السياسية والاجتماعية.
ومن هنا برز مقترح وضع المدينة تحت إدارة أو حماية دولية، بالاستناد إلى نموذج طنجة التي عاشت لسنوات تحت نظام دولي شاركت في إدارته عدة قوى أوروبية قبل عودتها إلى السيادة المغربية بعد الاستقلال.
«مسيرة خضراء» ثانية تقلق مدريد
تكشف البرقية الأمريكية أن هاجسا آخر كان يؤرق الملك الإسباني: احتمال لجوء الحسن الثاني إلى تحرك شعبي مشابه للمسيرة الخضراء، لكن هذه المرة باتجاه سبتة.
فأحداث سنة 1975 كانت لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية الإسبانية، بعدما شكلت المسيرة الخضراء محطة حاسمة في نهاية الوجود الإسباني بالصحراء.
وبحسب مضمون الوثيقة، كان خوان كارلوس يخشى أن يؤدي غياب تسوية بشأن سبتة إلى سيناريو مماثل، بما قد يضع إسبانيا أمام أزمة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
كما وصفت التقارير الأمريكية أجواء الاجتماع بأنها اتسمت بقدر كبير من الانفتاح، إذ شدد الملك الإسباني أكثر من مرة على أنه يتحدث بصراحة بالنظر إلى الطابع السري للمحادثات.
من أفكار 1979 إلى زيارة 2007
ورغم هذه التصورات التي ناقشها خوان كارلوس في نهاية السبعينيات، انتظر الملك الإسباني قرابة ثلاثة عقود قبل أن تطأ قدماه سبتة ومليلية في زيارة رسمية.
ففي سنة 2007، زار خوان كارلوس وزوجته صوفيا المدينتين، في خطوة فجرت آنذاك توترا دبلوماسيا مع المغرب وأعادت الملف إلى واجهة العلاقات بين البلدين.
ولم يبت الملكان في أي من المدينتين، إذ قضيا الليلة في مالقة بين محطتي الزيارة.
وكشف رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو لاحقا أن خوان كارلوس أخبره برغبته في ألا ينهي عهده من دون زيارة سبتة ومليلية، فيما لعب وزير الخارجية آنذاك ميغيل أنخيل موراتينوس دورا في تهيئة الظروف السياسية للزيارة.
أما الملكة صوفيا، فقد وصفت الرحلة لاحقا بأنها كانت «صعبة»، مشيرة إلى الاستقبال الكبير الذي خص به سكان المدينتين الملك والملكة.
وفي الوقت نفسه، قدمت صوفيا قراءة لمستقبل هذا النزاع، معتبرة أن الملك محمد السادس سيواصل، مثل والده الحسن الثاني، إثارة قضية سبتة ومليلية من حين إلى آخر، بما يضمن استمرار حضور الملف في العلاقات المغربية الإسبانية.
وتعيد هذه الوثائق فتح واحدة من الصفحات الحساسة في تاريخ العلاقات بين الرباط ومدريد، وتكشف أن مستقبل سبتة ومليلية لم يكن دائما محسوم التصور داخل دوائر الحكم الإسبانية، بل وصل النقاش في مرحلة دقيقة من تاريخ إسبانيا إلى دراسة سيناريوهات تتراوح بين تسليم مليلية للمغرب وإيجاد صيغة دولية خاصة لسبتة، في محاولة لتفادي أزمة مباشرة مع الرباط.