الرباط اليوم: سارة الشملي
خل ملف الصحراء المغربية منعطفاً جديداً وغير مسبوق منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعدما لم يمدد مجلس الأمن الدولي مهمة بعثة الأمم المتحدة «المينورسو»، في تطور اختار المغرب أن يمنحه قراءة سياسية تتجاوز بكثير مجرد انتهاء ولاية بعثة أممية.
فالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي جاء بلغة دبلوماسية هادئة، لكنها واضحة في رسائلها، حين اعتبر أن عدم تمديد مهمة «المينورسو» يعني أن وجود طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها في الأقاليم الجنوبية أصبح دون موضوع، وأن مرحلة امتدت على مدى 35 سنة تقترب من نهايتها.
هذا الموقف يكشف، في العمق، تحولا في طريقة تدبير المغرب للملف. فبعد سنوات طويلة من التعامل مع قضية الصحراء داخل منطق تدبير النزاع، يبدو أن الرباط تنتقل اليوم إلى ما يمكن وصفه بـسياسة الواقعية، القائمة على اعتبار أن المعطيات السياسية والدبلوماسية والميدانية تغيرت، وأن استمرار التعامل مع الملف بالأدوات نفسها التي وضعت في بداية تسعينيات القرن الماضي لم يعد منسجما مع الواقع الجديد.
منذ إحداث «المينورسو» سنة 1991، ظل وجود البعثة مرتبطا بمسار أممي كان يفترض أن يقود إلى تسوية نهائية، غير أن هذا المسار بقي، طوال عقود، يدور في حلقة مغلقة. ومع مرور السنوات، تغيرت موازين كثيرة، واتسعت دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في الوقت الذي عزز فيه المغرب حضوره السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في أقاليمه الجنوبية.
ومن هنا تأتي أهمية الرسالة المغربية الجديدة: الرباط لا تريد الاستمرار في إدارة نزاع مفتوح إلى ما لا نهاية، بل تسعى إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تثبيت حل سياسي تعتبره واقعيا وقابلا للتطبيق.
المثير أن التطور الجديد جاء بعد استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة بشأن الصحراء، وهو ما حال دون اعتماد القرار داخل مجلس الأمن. وفي قراءة أولية، كان يمكن اعتبار ذلك ضربة للمسار الذي كانت تراهن عليه الرباط، غير أن الموقف المغربي اتجه في الاتجاه المعاكس، إذ تعامل مع عدم تمديد مهمة «المينورسو» باعتباره فرصة لطي صفحة كاملة من تاريخ النزاع.
وبهذه المقاربة، يصبح السؤال بالنسبة إلى المغرب مختلفا: لم يعد الأمر يتعلق فقط بكيفية تحسين موقعه داخل مسار أممي قائم، بل بمدى جدوى استمرار هذا المسار نفسه بصيغته القديمة.
غير أن نهاية «المينورسو»، إذا تم تكريسها ميدانيا ومؤسساتيا، لا تعني بالضرورة نهاية النزاع سياسيا أو قانونيا. فالملف يظل مرتبطا بتوازنات دولية وإقليمية معقدة، كما أن الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها الجزائر وجبهة البوليساريو، ستسعى بدورها إلى إعادة ترتيب أوراقها داخل المرحلة الجديدة.
وهنا يطرح السؤال الأكثر حساسية: هل تدق طبول الحرب؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات تسمح بالجزم بذلك. بل إن بلاغ الديوان الملكي حرص، بالتوازي مع الحديث عن نهاية مهمة «المينورسو»، على التأكيد على تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، وهو ما يحمل رسالة واضحة مفادها أن الرباط تريد تغيير الإطار السياسي للنزاع دون الانجرار إلى تغيير قواعد المواجهة العسكرية.
هذه النقطة بالذات تكتسي أهمية كبيرة، لأن المغرب يرسل رسالتين في الوقت نفسه: الأولى أن مرحلة «المينورسو» بصيغتها السابقة وصلت إلى نهايتها، والثانية أن ذلك لا يعني التخلي عن خيار الاستقرار أو فتح الباب أمام مواجهة عسكرية.
لكن غياب البعثة الأممية، في حال تم فعلا، سيطرح تحديا جديدا. فرغم الانتقادات التي طالت «المينورسو» طيلة سنوات، فإن وجودها كان يوفر آلية للمراقبة والاتصال واحتواء بعض الاحتكاكات الميدانية. ومع اختفاء هذه الآلية، قد تصبح أي حادثة أو تحرك ميداني أكثر حساسية، خصوصا في منطقة تعرف أصلا توترا سياسيا وأمنيا مستمرا.
وبالتالي، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار مغربي بالحرب، لأن هذا غير موجود حتى الآن، بل في احتمال حصول فراغ ميداني أو سوء تقدير يؤدي إلى رفع منسوب التوتر.
أما الجزائر وجبهة البوليساريو، فستجدان نفسيهما أمام وضع جديد أيضا. فاستمرار «المينورسو» لعقود كان يمنح النزاع إطارا أمميا ثابتا، حتى في فترات الجمود السياسي. وإذا تم تجاوز هذه المرحلة، فإن طبيعة الصراع نفسها ستدخل طورا مختلفا، قد تفرض على جميع الأطراف مراجعة حساباتها.
في المقابل، يراهن المغرب على ما يعتبره تحولا دوليا متراكما لصالح مبادرة الحكم الذاتي، وعلى اعتراف عدد متزايد من الدول بواقعية المقترح المغربي، ما يجعله يرى أن الوقت أصبح مناسبا للانتقال من منطق الانتظار إلى منطق تثبيت الوقائع السياسية.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الخطاب المغربي باعتباره انتقالا من الدفاع عن الموقف إلى فرض منطق جديد للتسوية، ومن إدارة النزاع داخل المؤسسات الدولية إلى الدفع نحو إنهائه وفق معطيات يعتبرها المغرب أكثر واقعية.
ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون دقيقة.
فإذا مرت عملية إنهاء وجود «المينورسو» دون توتر ميداني، واستمر احترام وقف إطلاق النار، فقد يكون المغرب قد نجح في فرض تحول سياسي كبير دون كلفة أمنية. أما إذا رافقت التحولات الجديدة تحركات عسكرية أو احتكاكات، فإن غياب البعثة الأممية قد يجعل الوضع أكثر تعقيدا.
لهذا، يبدو الحديث عن دق طبول الحرب سابقا لأوانه، لكن الأكيد أن قواعد اللعبة تغيرت.
المغرب يعلن، بشكل دبلوماسي واضح، أنه لم يعد مستعدا للاستمرار في تدبير ملف الصحراء بالمنطق نفسه الذي حكمه طوال 35 سنة، ويتمسك في الوقت ذاته بوقف إطلاق النار والاستقرار.
وبين الحزم السياسي وضبط النفس العسكري، يدخل ملف الصحراء مرحلة جديدة قد تكون بداية الطي النهائي لأحد أطول النزاعات في المنطقة، أو بداية اختبار أكثر تعقيدا للتوازنات الإقليمية والدولية.
