بقلم الدكتور العلمي الحراق
سأتطرق بحول الله وقوته في هذا المقال إلى عملية “صناعة الوثيقة العدلية” في ظل القانون رقم 051.26 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.58 بتاريخ 13 من صفر 1448 (28 يوليو 2026) المتعلق بتنظيم مهنة العدول، وذلك من خلال بسط أهم المراحل التي تمر منها الوثيقة إلى أن تصبح ورقة رسمية، وأخص بالذكر مسألة تلقيها وتحريرها، والخطاب عليها من طرف القاضي، ثم حفظها في أماكن آمنة للرجوع إليها عند الحاجة واستخراج النسخ منها وتسليمها لمن له الحق فيها، وذلك باختصار مفيد محاولا توضيح بعض الغموض ورفع بعض اللبس والإجابة عن أهم الإشكالات مع إبداء الرأي وتقديم مقترحات حلول لها. لا سيما في حالة تأخر صدور نصوصه التنظيمية. وسيكون هذا إسهاما في تنوير العاملين والمهتمين والفاعلين في قطاع التوثيق العدلي، من عدول وقضاة ومحافظين وطلبة وغيرهم.
وبناء عليه، فإنني سأقسم الموضوع إلى مبحثين اثنين، الأول سأفرده لتلقي الوثيقة العدلية وتحريرها والخطاب عليها، والثاني لحفظ العقود والشهادات والسجلات وتسليم النسخ لمن له الحق فيها، دون التحدث عن الجانب الإلكتروني أو الرقمي في الموضوع لعدم الاستعداد والجاهزية.
وكان بودي أن أقدم للموضوع وقبل أن أدخل في تفاصيله بمقدمة أشرح فيها عنوان المقال “صناعة الوثيقة العدلية” وإطلاقات هذه الأخيرة، ولكن ضيق المساحة دفعني إلى أن أكتفي بالقول إن “صناعة” الوثيقة هي عملية إنشاء وكتابة الوثيقة العدلية بطريقة احترافية وفق القواعد المرعية والضوابط المشروعة، بما يضمن حقوق الناس وأنسابهم وأعراضهم ويعمل على استقرار المعاملات وحسم الخلاف والنزاع.
وقد تم وصف مهنة التوثيق العدلي بكونها صنعة وصناعة من قبل فقهائنا القدامي، فقد قال القاضي ابن فرحون في تعريفه المهنة بأنها” صناعة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة”.
وقال آخر :
سئمت صناعة التوثيق لما أشاع الجهل فيها ما أشاعه.
أما الوثيقة العدلية فهي شهادة عدلية مكتوبة في ورقة صادرة عن عدلين ومذيلة بخطاب القاضي المختص ولها حجيتها التامة، وتمر عند صناعتها بمراحل متعددة وتتميز بمميزات وخصائص، ولها إطلاقات متعددة منها الشهادة العدلية والعقد العدلي والرسم العدلي والمحرر العدلي والحجة العدلية والبينة الشرعية.
وكما أشرت أعلاه فإن المقال لا يسعفني في الدخول في تفاصيل هذه المفاهيم وبيان الفرق بينها وتكفيني هنا هذه الإشارة، لكن عموما يمكن القول بأن مصطلح العقود يطلق أساسا ويراد به التصرفات عند فقهاء النظرية العامة للفقه والقانون، وإذا أطلق عند أهل التوثيق فيراد به وسائل إثبات هذه التصرفات وهي الوثائق والرسوم والمحررات العدلية وغيرها، أما مصطلح الشهادات فيطلق عند أهل التوثيق العدلي ويراد به أساسا شهادات اللفيف، كما قد يراد به أيضا باقي الشهادات العدلية الأخرى.
المبحث الأول: تلقي الوثيقة العدلية وتحريرها والخطاب عليها
سوف لا أدخل في تفاصيل مفهوم التلقي وكيفيته وإجراءاته القبلية والبعدية، ولا إلى مفهوم التحرير وكيفيته، ولكن سأقف بالخصوص على بيان ما يفي بالغرض ويرفع بعض الغموض الذي يكتنف أحكام ومقتضيات هذا القانون في التلقي والتحرير والخطاب والجواب عن الأسئلة والإشكالات المطروحة أو التي قد تطرح في الموضوع تباعا واستقبالا، من مثل هل التلقي أصبح في ظل القانون الجديد عملية شفوية ولم يعد عملية كتابية كما كان في القانون 16.03؟ أو أن التلقي صار نصفه شفويا ونصفه الآخر كتابيا أو أنه بات هو التحرير نفسه ؟،
وهل التلقي والكتابة بخط يد العدول أصبحت من الزمن الماضي ولم يبق هناك أي بقية للتلقي بخط اليد، وأن الحاسوب الآن قد عوض الكتابة بخط اليد وملأ الفراغ وأصبح هو سيد الموقف؟ وماذا أيضا عن طريقة تحرير الوثيقة العدلية أطرأ عليها تغيير أو بقي الأمر كما كان ؟ وهل فعلا تم تعويض مذكرة الحفظ بسجل البيانات الموجزة؟ وهل الأطراف يوقعون بإمضاءاتهم أو بصماتهم على هذا السجل كما كان في مذكرة الحفظ؟ وإذا استمر العمل بهذه الأخيرة إلى حين صدور النص التنظيمي للسجل المذكور، ما هي الإجراءات التي ينبغي اتباعها في شأن التضمين ؟ فهل يضمن العدول أنفسهم في سجلات التضمين القديمة؟ أو يتم اللجوء مؤقتا إلى العمل بنظام النظائر كما كان في فترة الثمانينيات؟ أو يبدأ العمل مباشرة بنظام النظائر المتجانسة طبقا للقانون الجديد لكون الضرورة تقدر بقدرها؟.
وفيما يخص الخطاب على الوثيقة بعد تحريرها فإنه يمكن التساؤل حول النظائر التي تقدم للقاضي من أجل الخطاب، هل يجب أن تكون موقعة من طرف العدول والمتعاقدين على اعتبار أن النظير ما هو إلا صورة من الأصل الذي يكون موقعا من قبل الأطراف والعدول، أو أن تكون موقعة فقط من طرف العدول؟ وإذا ضمن القاضي أصل العقد أو الشهادة الأسباب المبررة لرفض الخطاب فهل يظل هذا الأصل أو الشهادة صالحا أو صالحة بعد تفادي هذه الأسباب وإعادة تقديمها للخطاب؟ أم أنه يجب إعادة تحرير أصل آخر والمناداة على الأطراف للتوقيع مرة أخرى بما قد يترتب عن ذلك من مشاكل ومتاعب؟ هذه التساؤلات والإشكالات وغيرها هي التي سنحاول الإجابة عنها في هذا المبحث.
وبناء عليه، فإنه من خلال استقرائنا لمواد القانون الجديد يتبين أن عملية التلقي الشفوي والإجرائي في صناعة الوثيقة العدلية لم يطرأ عليها تغيير كبير في الشكل(أولا)، لكن عملية التلقي الكتابي وبخط يد أحد العدلين قد دخلت عليها تغييرات جوهرية(ثانيا)، كما أن التلقي في مرحلته النهائية دخله التغيير وصار هو التحرير نفسه (ثالثا).
أولا- التلقي الشفوي الإجرائي
من خلال مواد القانون التي تتحدث عن التلقي يبدو أن القانون رقم 26-051 ما زال يتبنى التلقي الشفوي الإجرائي، وذلك في العديد من مواده، مثل المواد 39 و40 و50 إلى 56، وبعض مواد شهادة اللفيف مثل المادة 69 و70، حيث إن مثل هذه المواد تتحدث عن التلقي الشفوي مع وجوب اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في هذه المواد، من أهمها:
–التأكد من انعقاد الاختصاص.
–التحقق من كون موضوع الوثيقة المزمع إقامتها ليس خارجا عن دائرة التعامل.
– التأكد من شخصية المتعاقدين أو الشهود بالاستناد إلى أوراق التعريف الشخصية الرسمية، والتحقق من كونهم لهم الأهلية الكافية لإبرام العقد المزمع الإشهاد عليه.
– إسداء النصح للأطراف من طرف العدلين معا بحيث يجب عليهما أن يبينا لكل الأطراف ما يعلمانه بخصوص موضوع العقد أو الشهادة، وأن يوضحا لهم الأبعاد والآثار التي قد تترتب عنها، ولا يعفيهما من ذلك النص في الوثيقة على قبول المشهود عليه للعقد أو الشهادة.
فإذا كان الأمر يتعلق –مثلا- بزواج مختلط وجبت الإشارة في إسداء النصح إلى كون العدلين أشعرا الزوج المسلم والزوجة غير المسلمة إلى أنهما سوف لا يرث أحدهما الآخر، وإذا تعلق الأمر بشراء حقوق مشاعة في عقار، وجبت الإشارة في إسداء النصح إلى كونهما أشعرا المشتري باحتمال حصول الشفعة بعد البيع من طرف باقي الشركاء في الشياع، وإذا تعلق الأمر بشراء عقار مرهون وجب ذكر أبعاد وآثار هذا الرهن والإشارة إلى ذلك في الوثيقة، ولا يكتفيان بالإشارة إلى كونهما أسديا النصح له دون ذكر ذلك بالتحديد.
– التوفر على المستندات اللازمة لتلقي العقود وتصفحها ومراقبتها من حيث صلاحيتها موضوعا وشكلا وتاريخا؛ ومقارنة بعضها ببعض، تفاديا لكل تناقض فيما بينها وبين الشهادة المراد إنجازها.
– الاستماع إلى الإيجاب والقبول من المتعاقدين وباقي فصول العقد وشروطه الجائزة؛ أو سماع الشهادة من اللفيف كل على حدة، والاستفسار عن كل الأمور المبهمة وتوضيح ما يجب توضيحه وبيان الآثار المترتبة عن ذلك، مع تحصيل العلم بها وأخذها من أصحاب الشأن فيها واستيعاب كل ما يتعلق بها من أركان وشروط. وغير ذلك من الإجراءات القبلية التي يتعين اتخاذها.
وبالتالي فإنه ليس في هذا التلقي إلا الكلام والسماع وتفحص للأوراق والمستندات، دون أن يحرك العدلان أي قلم للكتابة بخط اليد، ودون أن يضع أحدهما يده على فأرة أو أن ينقر على زر في لوحة مفاتيح حاسوبهما لكتابة كلمة أو عبارة.
والغالب أن يحصل هذا التلقي في جلسة واحدة أو في جلسات متعددة بعضها حضورية وبعضها عن بعد بالهاتف أو بغيره.
–ثانيا- التلقي الكتابي اليدوي (تضمين البيانات الموجزة بخط اليد في السجل المعد لذلك )
إذا تم التأكد من توفر كل الأركان والشروط لصناعة وثيقة أو شهادة عدلية وتم اتخاذ كل إجراءات التلقي الشفوي المذكورة في المواد المشار إليها أعلاه، يشرع أحد العدلين في التلقي الكتابي للبيانات الموجزة بخط يده في سجل البيانات الموجزة الخاص به، المنصوص عليه في المادة 30 من القانون الجديد، وذلك بتتابع العقود والشهادات المتلقاة يوما بيوموساعة بساعة حسب تواريخ وساعات تلقيها، مع كتابة تاريخ هذا التلقي بالحروف والأرقام وفق التقويم الهجري والميلادي، من غير بياض أو شطب أو كشط أو إقحام أو فراغ بين السطور إن تعددت، وذلك طبقا لأحكام ومقتضيات المواد 30 و31 و50 من القانون الجديد.
سجل البيانات الموجزة:
وظاهر من المواد 30-31-50 المشار إليها أعلاه، أن هذا السجل لا يوقع عليه أحد من الأطراف ولا حتى العدل الذي يمسكه، نعم يوقع القاضي المكلف بالتوثيق المختص على صفحتيه الأولى والأخيرة ويؤشر على باقي صفحاته مع وضع خاتم المحكمة عليها.
ومما تنبغي الإشارة إليه هو أنه ينبغي تضمين البيانات الموجزة لنسخ الوثائق العدلية التي تستخرج وفقا للقانون الجديد، وأخص بالذكر النسخ التي يستخرجها العدل طبقا للمواد 84-85-86 من هذا القانون.
وفي هذا السجل يجب ذكر تأشيرة العدل –بخط يده طبعا – الذي سلم النسخة والاسم الكامل لطالب النسخة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف الإلكترونية أو أي وثيقة تثبت هويته ومراجع الإذن الصادر عن القاضي المكلف بالتوثيق عند الاقتضاء؛ وذلك طبقا لمقتضيات المادة 85 كما سياتي عند الحديث عن تسليم النسخ لمن له الحق فيها.
وبذلك يبدو واضحا أن سجل البيانات الموجزة لم يعوض مذكرة الحفظ إلا في الكتابة بخط يد العدل الماسك للسجل، وفي كونه قد يتضمن بعض البيانات التي تؤخذ من ملخص الشهادة المدرجة بمذكرة الحفظ، أما مادون ذلك فإن السجل هو عبارة عن فهرس يومي يسجل فيه ما يروج كل يوم في مكتب العدل الماسك من عقود وشهادات برؤوس أقلام وهو يشبه إلى حد ما السجل التاريخي الذي يمسك في مصالح التوثيق بالقنصليات المغربية بالخارج.
ونصه التنظيمي المنتظر سوف لن يخرج عن تحديد طوله وعرضه بالسنتيمترات وعدد صفحاته، واشتمال كل صفحة من صفحاته على أضلاع، مثل العدد المتتابع وموجز العقد أو الشهادة أو النسخة وتاريخ التلقي والتحرير وأسماء المشهود لهم وعليهم، ومراجع التسجيل عند الاقتضاء وضلع للملاحظات.( ينظر الجدول المقترح أسفله).
وهنا أقترح أن يخصص ضلع منه لتاريخ تسليم النظائر أو النسخ لأصحابها مع توقيعهم على ذلك في السجل، حتى لا يقع منهم أي إنكار لذلك حماية للعدل ماسك السجل.
|
العدد المتتابع |
موجز العقد أو الشهادة أو النسخة |
تاريخ التلقي بهذا السجل وتاريخ التحرير |
اسم المشهود له |
اسم المشهود عليه |
مراجع التسجيل عند الاقتضاء |
اسم متسلم النظير وتوقيعه والتاريخ |
ملاحظات |
استمرار العمل بمذكرة الحفظ في الفترة الانتقالية:
وقد نصت المادة 198 من القانون الجديد على أن مقتضيات المادة 28 من القانون رقم 16.03 تظل سارية المفعول إلى حين صدور النص التنظيمي المشار إليه في المادة 30 أعلاه؛ بمعنى استمرار العمل بمذكرة الحفظ التي يوقع فيها الأطراف والعدول، وإذا استمر العمل بذلك ما هي الإجراءات التي ينبغي اتباعها في شأن التضمين أو حفظ النظائر؟ فهل يوقع الأطراف والعدول ثانية في أصول العقود والشهادات كما هو الشأن في عقود الزواج؟ وبعد تحرير نظائر لها طبقا للقانون، هل يضمن العدول أنفسهم ذلك في سجلات التضمين القديمة؟ -لأن مهنة النساخة نسخت– أو يتم اللجوء مؤقتا إلى العمل بنظام النظائر كما كان في فترة الثمانينات؟ أو يبدأ العمل مباشرة بنظام النظائر المتجانسة طبقا للقانون الجديد؟.
الذي يبدو أنه ونظرا إلى أن الهدف الأساس من التوثيق حسم الخلاف والنزاع، وأن الضرورة تقدر بقدرها، وأعني ضرورة الاستمرار بمذكرة الحفظ، فإن الموقف السليم أن يوقع الأطراف والعدول في مذكرة الحفظ كما هو العمل حاليا، ثم تحرر نظائر لهذه العقود والشهادات وتقدم للقاضي للخطاب عليها ثم تجميعها كنظائر متجانسة طبقا للمادة 79 من القانون الجديد،
بمعنى أنه يعمل بالقانونين معا في وقت واحد في هذه المرحلة الانتقالية ريثما يصدر النص التنظيمي، أي أننا نطبق القانون السابق في التوقيع على مذكرة الحفظ كأن بها أصول العقود والشهادات، ونطبق القانون الجديد في تحرير النظائر لها وتقديمها للقاضي للخطاب عليها وفقا للقانون الجديد، وبعد الخطاب عليها تطبق مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 79 المذكورة،أي بتجميع النظائر المتجانسة قصد تكوين سجل يحفظ بكتابة ضبط القاضي المكلف بالتوثيق، وعملية تجميع النظائر المتجانسة هي ما يجري به العمل التوثيقي في القنصليات المغربية بالخارج.
أما القول بأن الأطراف يوقعون أولا في مذكرة الحفظ، ثم يوقعون ثانيا في أصل العقد أو الشهادة، فإننا سنفرغ المادة 198 من محتواها ومقتضاها، وبالتالي فإنه لا حاجة لنا حينئذ إلى الاستمرار في العمل بمذكرة الحفظ والإبقاء على سريان مقتضيات المادة 28 من القانون رقم 16.03، ولنص القانون الجديد على العمل بالتوقيع على الأصول والنظائر بعد مرور 90 يوما على نشره، كما فعل مع كل مقتضيات القانون السابق، ولأراحنا من الاستمرار في العمل بهذه المذكرة.
والنظائر المتجانسة تعني تجميع نظائر الزواج ونظائر الطلاق ونظارالمختلفة ونظائر التركات ، ونظائر الأملاك مع بعضها البعض، ويمكن جمع نظائر الوكالات مع بعضها لكونها أصبحت تشكل نشاطا توثيقيا متزايدا، وبعد تجميع عدد معين كالثلاثمائة صفحة أو أقل أو أكثر بقليل تجمع في سجل واحد يسمى باسمها ثم يرقم ويؤرخ ويحفظ في الأرشيف بعد التأشير عليه من طرف القاضي.
وبناء على ما ذكر فإن مذكرة الحفظ المستمر العمل بها في هذه الفترة الانتقالية، هي أقرب إلى تعويض أصول العقود والشهادات، من كونها تعوض سجل البيانات الموجزة، لأن المعتبر في الأمر هي توقيعات الأطراف التي تذيل بها العقود بمذكرة الحفظ، ثم بعد حين ستصبح تذيل أصول العقود والشهادات ولا علاقة لها بسجل البيانات الموجزة.
ولا يقتصر الأمر هنا على العقود والشهادات التي ستضمن في مذكرة الحفظ بعد دخول القانون حيز التنفيذ، بل يتعدى الأمر ذلك إلى كل العقود والشهادات التي تلقيت بمذكرات الحفظ ما قبل 9/11/2026 وبقيت بدون خطاب لسبب من الأسباب القانونية إلى ما بعد 9/11/2026، فكل عقد أو شهادة سيدفع للقاضي للخطاب بعد هذا التاريخ سيكون عبارة عن نظائر فقد باستثناء الزواج والطلاق فيجب تحريرهما في أصل ونظيرين،وبالتالي فإنه ينبغي إخضاع ما يخاطب عليه القاضي يوم الاثنين 9 نوفمبر المقبل لمقتضيات المادة 79، ويجب أن تقدم للقاضي في نظائر للتوقيع عليها ثم تجميعها كنظائر متجانسة، لأنه لا يمكن تضمينها بسجلات التضمين لعدم وجود من يضمنها طبقا للقانون رقم 16.03 ولقانون النساخة اللذين تم نسخهما.
وبتضمين البيانات الموجزة في هذا السجل تنتهي عملية التلقي الورقي بخط يد العدل الماسك لهذا السجل، ونمر بالتالي إلى تلقي الوثيقة وتحريرها في آن واحد بطريقة مفصلة في ورقة الأصل ثم في النظائر وبالحاسوب.
وغني عن البيان أن التلقي أو بداية التلقي بسجل البيانات الموجزة يجب أن يسبق عملية التلقي والتحرير في آن واحد بالحاسوب، بدليل أن المادة 59 نصت على وجوب الإشارة في الوثيقة المحررة بالحاسوب إلى بيان مراجع تسجيل موجز الشهادة أو العقد بسجل البيانات. مما يعني أن الترتيب الذي أوردناه هنا في المقال هو الترتيب الذي يتعين اتباعه عند تلقي وتحرير العقود والشهادات. وهو ترتيب منطقي وواقعي.
ثالثا-التلقي والتحرير في آن واحد وبالحاسوب
تحرير العقود أو الشهادات حسب القانون الجديد هو كتابتها وإخراجها من نطاق التلقي الشفوي والسماعي ونطاق التلقي بخط اليد للبيانات الموجزة، إلى نطاق الكتابة بالحاسوب وبكل تفاصيلها وجزئياتها في وثيقة مكتوبة، تمهيدا لتقديمها ونظائرها للقاضي المختص قصد الخطاب عليها.
والتحرير هنا يكون مقرونا بالتلقي في آن واحد، لأن المعتبر في العملية التوثيقية هي الوثيقة المفصلة في أركانها وشروطها وبياناتها العامة والخاصة، وهي التي يوقع عليها الأطراف والعدلان وتقدم للقاضي للخطاب عليها مع نظائرها.
أما التلقي الشفوي والكتابي الأولي بخط اليد فما هو إلا محض كلام وسماع وزمام في سجل البيانات الموجزة على النحو المذكور.
وهكذا وبعد تقييد البيانات الموجزة في السجل المعد لذلك، يشرع أحد العدلين وتحت مسؤوليتهما معا في تلقي العقد وتحريره في وثيقة واحدة بواسطة الحاسوب وجوبا على ورق جيد يتميز بخاصية الضمان الكامل للحفظ، وذلك دون انقطاع أو بياض أو إصلاح أو إقحام أو إلحاق أو تشطيب أو استعمال حرف إضراب، وفقا لما تنص عليه أحكام ومقتضيات هذا القانون، ولا سيما مقتضيات المواد من 57 إلى 62.
وبعد الانتهاء من ذلك يتم تلاوة فصول الوثيقة وعباراتها على المتعاقدين والشهود والترجمان والخبير –بحسب الأحوال –، ويشرح لهم ما لم يفهموه من كلماتها ومقتضياتها؛ ثم بعد ذلك تسحب الوثيقة الواحدة من الحاسوب وتدفع لهم من أجل التوقيع عليها بإمضاءاتهم، أو ببصماتهم إن تعذرت إمضاءاتهم، مع وجوب شهادة العدلين عليهم في هذه الحالة أي في حالة وضع بصماتهم، وإذا تعذر عليهم التوقيع أو البصم شهد عليهم العدلان بذلك أيضا طبقا للمادة 62، وهذه صلاحية خطيرة خولت للعدلين بمقتضى القانون الجديد.
ومعنى هذا أنه إذا كان أحد الأطراف أو كلهم لا يستطيعون التوقيع أو البصم لسبب من الأسباب، كأن يكون أحدهم تعرض لحادثة في يديه ولا يستطيع تحريكما، أو أنه مقطوع أو مشلول اليدين أصلا، فإن ذلك لا يعد مانعا من الإشهاد عليه، فقط يجب على العدلين النص في الوثيقة على حالته بالتحديد والإشهاد عليه بكونه لا يستطيع التوقيع أو البصم لهذا السبب أو ذاك، ثم بعد ذلك يوقع العدلان وتختتم الوثيقة؛ وبذلك تنتهي عملية التلقي والتحرير التي تتم في آن واحد؛ وتصبح الوثيقة جاهزة أولا لأخذ نسخ منها عند الاقتضاء لتقديمها لمكتب التسجيل لاستيفاء إجراءات التسجيل والتنبر وأداء الواجبات في الأجل المحدد قانونا، وبعد التسجيل تصبح الوثيقة جاهزة ثانيا لتحرير نظائر منها بحسب الحاجة وتقديم أصلها ونظائرها للقاضي من أجل الخطاب عليها.
تحرير العقد أو الشهادة في أصل واحد وبدون انقطاع:
وظاهر من صريح المادة 57 المشار إليها أعلاه أن تحرير الوثيقة يكون في أصل واحد لا أصلين أو أكثر، وإذا ضاع الأصل قبل الخطاب فإن يد قضاء الموضوع طويلة وباستطاعته أن يرجع الأمور إلى نصابها، لأن الآثار التي قد تترتب عن وجود أصلين أو أكثر وخيمة وخطيرة تجاه الأطراف والعدلين وجهاز التوثيق برمته، ثم إن ضياع الأصل نادرا ما سيقع، وهو مثل مذكرة الحفظ التي كانت تضيع لبعض العدول وهي تتضمن عقودا وشهادات لم تحرر بعد، ومع ذلك كان القضاء يجد لها حلولا، لا سيما وأن شهادة العدلين تعتبر عند القضاء المغربي ولو كانت شهادة شفوية.
وبالتالي فإنه بناء على هذه الشهادة يستطيع القضاء أن يحكم بثبوت التصرف أو الواقعة التي تضمنها أصل الوثيقة الضائع، كما أنه يمكن تطبيق مقتضيات المادة 64 من هذا القانون التي تنص على أنه إذا توفي أحد العدلين أو فقد أهليته أو صفته أو عاقه عائق قبل أن يوقع على أصل العقد أو الشهادة، بعد توقيع الأطراف، أمكن للقاضي المكلف بالتوثيق أن يكلف، بناء على طلب من الأطراف أو أحدهم، عدلا آخر للتوقيع على أصل العقد أو الشهادة، لأن حالة عدم توقيع أحد العدلين أو كليهما كحالة ضياع الأصل برمته، وبالتالي تنطبق على الحالتين نفس المقتضيات المذكورة.
كما يبدو من صريح المادة 57 أيضا أن طريقة تحرير الوثيقة العدلية لم يطرأ عليها تغيير، فقد ورد فيها أن الوثيقة تحرر في وثيقة واحدة دون انقطاع،أي كتابتها بكيفية مسترسلة بدون توقف وبدون بياض أو فراغ بين الأسطر أو فواصل أو نقط أو غير ذلك.
ومما ينبغي التوقف عنده أيضا بشيء من التفصيل ما ورد في المواد 59 و 61 و62 و63 من غموض ولبس، وأخص بالذكر ما يلي:
أ– وجوب الإشارة إلى مراجع أداء واجبات تسجيل العقد في أصل الوثيقة، فإنه بعد الانتهاء من التحرير والتوقيع عليه من قبل الأطراف والعدول، فإنه يمكن كتابة هذه المراجع بخط اليد في خاتم يعد خصيصا لهذه الغاية، وذلك في أصل الوثيقة فقط دون نظائرها،أما النظائر فيجب تضمين مراجع التسجيل في صلبها عند تحريرها بالحاسوب، لتكون هذه النظائر التي تسلم لأصحابها خالية من أي خط يدوي يشوش عل رسمية الوثيقة العدلية وجماليتها.
ب-إذا كان أحد الأطراف يجهل اللغة العربية التي تحرر بها الوثيقة العدلية وجوبا، فإن العدلين يشهدان عليه بذلك، ويتخذ في شأنه ما يلي:
– إذا كان أحد العدلين أو كلاهما يفهمان اللغة أو اللهجة التي يتحدث بها هذا الطرف، فإنه يمكن للعدلين التلقي منه مباشرة دون استعانة لا بترجمان محلف ولا بخبير قضائي في لغة الإشارة.
– إذا كان أحد العدلين أو كلاهما يجدان صعوبة في فهم اللغة أو اللهجةالتي يتحدث بها هذا الطرف، فإنه يجب عليهما في هذه الحالة الاستعانة بترجمان محلف أو خبير قضائي في لغة الإشارة، وذلك طبقا لمقتضيات المادتين 61 و53.
وهذا المقتضى سيضع المتعاقدين والعدول في حرج كبير، وسيضطر المشرع في القريب العاجل إلى إعادة النظر في ذلك، لصعوبة تنفيذه على أرض الواقع، لأن الواقع العملي يثبت أننا لا نجد من يترجم لنا لغات أجنبية ونحن في المدن الكبرى للمملكة، فأحرى أن نجد ذلك في المدن الصغرى والقرى النائية.
كما أن الحرج سيكون سيد الموقف عند ما يتعلق الأمر بتلقي وتحرير شهادات اللفيف، حيث إن المتعاقدين سيجدون صعوبة في إحضار الشهود إلى مجلس التلقي والتحرير وهو بالضرورة سيكون عبارة عن مجالس وجلسات متعددة، لأن الواقع العملي يثبت أن طالبي هذه الشهادات لا يجدون من يشهد لهم في مذكرة الحفظ وبخط اليد إلا بصعوبة كبيرة، ومع مرور الوقت سيجد العدول أنفسهم أنهم يقسمون تلقي شهادات اللفيف إلى جلسات متعددة، في كل جلسة يتلقون ويحررون شهادة ثلاثة أو أربعة شهود في أصل الوثيقة، وعند تحرير نظائرها يجمعون ذلك في وثيقة واحدة، مع الإشارة إلى تواريخ التلقي والتحرير لكل مجموعة، وما ذلك على السادة العدول بجديد، حيث إن هذه الطريقة في التلقي جار بها العمل في مذكرة الحفظ، حينما يتعلق الأمر باستخلاف شهود اللفيف تراجعوا عن شهادتهم، أو عند ما يتعذر على طالب الشهادة جمع الإثني عشر شهودا في مجلس واحد.
رابعا – الخطاب على الوثيقة
نصت المادتان 76 و 77 من القانون الجديد على أن القاضي المكلف بالتوثيق يخاطب على أصول ونظائر العقود أو الشهادات، بعد مراقبتها والتأكد من استيفائها للشروط والإجراءات المتطلبة قانونا، وذلك داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام.
وواضح من صريح أحكام ومقتضيات هاتين المادتين أن خطاب القاضي ينصب على أصول ونظائر العقود أو الشهادات، وليس فقط على النظائر كما قد يتوهم قياسا على العقود والشهادات المتلقاة بمذكرة الحفظ حيث كان القاضي لا يخاطب عليها بمذكرة الحفظ، وذلك داخل أجل أقصاه ثلاثة أيام ابتداء من تاريخ وضع هذه الأصول والنظائر في كتابة ضبط القاضي المكلف بالتوثيق، ومعنى أقصاه أنه ينبغي الخطاب في يوم إيداع الوثائقأو في اليوم الذي يليه.
ويبدو من مقتضيات المادة 76 أن نظائر العقود والشهادات تحرر طبقا لما هو مضمن في أصولها، بمعنى أنها لا تحرر طبقا لما هو منصوص في أصولها، والفرق ظاهر بين التعبيرين، لأن كلمة المضمن هذه تمنح العدلين فسحة للتصويب والإتقان في شكلية النظائر دون أن يؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى التغيير المحظور، وذلك كما نفعله في شهادة اللفيف، حيث يكتب العدول مضمن شهادات الشهود ولا يتقيدون بمنطوقها وحرفيتها، وكذلك هنا في تحرير نظائر أصول العقود أو الشهادات، وبالتالي فإن هذه النظائر ينبغي توقيعها من طرف العدول فقط دون الأطراف، ويمكن بناء على هذا أن يحرر الأصل في ورقتين أو أكثر والنظير يحرر فقط في ورقة واحدة أو ورقتين، ومفهوم النظير هنا يختلف عن مفهوم النظير في المادة 81 المشار إليها أعلاه.
إذ النظير هنا يسحب مباشرة من الحاسوب صحبة الأصل بتاريخ واحد ويوقعه العدلان معا ويقدم للقاضي للخطاب عليه في آن واحد، ويخاطب عليه القاضي صحبة الأصل في وقت واحد أيضا، وهذا النظير خاص بالأطراف بمعنى يسلم خاصة للأطراف، أما النظير في المادة 81 فهو صورة من الأصل يذيلها العدل الواحد المختص بتوقيعه وخاتمه وبتاريخ آخر، ثم يخاطب عليه القاضي في تاريخ آخر. والغاية من إعداد هذا النظير أن يحل محل الأصل المسلم للجهة التي طلبته، ويقوم مقامه إلى حين إرجاع الأصل.
وكذلك الشأن بالنسبة للنظير المعد في إطار مقتضيات المادة 86 كما سياتي بعده.
وإذا ضمن القاضي أصل العقد أو الشهادة الأسباب المبررة لرفض الخطاب، فإن هذا الأصل يبقى صالحا وعاملا ولا تزيده ملاحظات القاضي إلا قوة وحجية بعد تفادي ذلك والخطاب عليه من طرف القاضي، وذلك على اعتبار أن هذا الأصل في الغالب الأعم أنه سوف يبقى محفوظا ولن يطلع عليه أحد سوى العدلين والقاضي، أما نظائره فيجب إعادة تحريرها وفقا لملاحظات القاضي وتسلم لأصحابها وهي خالية من أي ملاحظة أو سبب لرفض الخطاب، وإلا فإن إعادة تحرير أصل آخر والمناداة على الأطراف للتوقيع مرة أخرى، فسوف يدخل عمل العدول والمهنة برمتها وجهاز التوثيق بالمحكمة في متاهات الشك والارتياب وسيضرب الأمن التعاقدي والتوثيقي في الصميم.
ومن الأحسن للقاضي ولجهاز التوثيق عامة، أن توضع هذه الأسباب والملاحظات في ورقة خاصة ولا يضمنها في أصول العقود والشهادات، لا سيما إذا تعلق الأمر بأسباب بسيطة وكان بالإمكان تفاديها بسهولة، لكن إذا تعلق الأمر بمبررات قوية ومؤثرة على حقوق الأطراف فإنه ينبغي إعادة تحرير الأصل من جديد وتمزيق هذا الأصل واستدعاء الأطراف للتوقيع عليها من جديد.
كما أنه من الأفضل ألا يتم اللجوء إلى التظلم من هذا الرفض أمام رئيس المحكمة الابتدائية إلا للضرورة القصوى.
بقي أن نشير إلى أن المادة 78 نصت على أن خطاب القاضي المكلف بالتوثيق أصبح يعني وضع توقيع القاضي اليدوي أو الإلكتروني المؤهل، واسمه وخاتمه على الوثيقة، مع الإشارة إلى تاريخ الخطاب بالتقويمين الهجري والميلادي، ولم يعد يعني الإعلام بأن القاضي راقب الوثيقة أو الشهادة وبكونها أديت عنده كما كان في القانون رقم 16.03 .
كما نصت هذه المادة على أن الوثيقة لا تكتسب الصبغة الرسمية إلا بعد الخطاب عليها.
المبحث الثاني: حفظ العقود والشهادات والسجلات وتسليم النسخ
في هذا المبحث سنحاول أيضا الإجابة عن تساؤلات وإشكالات تتعلق بالأماكن التي نص القانون الجديد على اعتبارها جهات لأرشيف العقود والشهادات والسجلات وخولها صلاحيات تسليم النسخ من الوثائق العدلية لمن له الحق فيها، ومن خلال استقرائنا للأحكام والمقتضيات القانونية المتعلقة بذلك، تبين أن المشرع حصر الأماكن التي تحفظ بها الوثائق العدلية في كتابة ضبط القاضي المكلف بالتوثيق بالمحكمة الابتدائية. (أولا ) –وهذا حفظ رقمي وورقي في آن واحد–، وفي حفظ مكتب العدل الذي ضمنت البيانات الموجزة بالسجل الذي يمسكه، –وهذا حفظ ورقي بالأساس ويمكن أن يكون حفظا رقميا (ثانيا)–. ثم في حفظ السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وهذا حفظ إلكتروني وليس حفظ ورقي (ثالثا).
لكن هل فعلا يمكن تسليم النسخ لمن يطلبها من الأطراف من الجهات الثلاث المذكورة؟ أو أن الأمر يقتصر على بعضها دون البعض؟، وإذا كانت مسطرة تسليم النسخ من كتابة ضبط القاضي بشأن الأرشيف المؤسس في إطار القانون 16.03 واضحة ولا لبس فيها، فإن اللبس قد يكتنف مسطرة تسليمه النظائر أو النسخ من النظائر المتجانسة المجمعة عنده في السجل الورقي والرقمي في إطار القانون الجديد، وحينما يتعلق الأمر بأرشيف المكتب العدلي الذي له الصلاحية في تسليم النسخ طبقا للمادة 84 ، فهل تحتاج نسخته هذه إلى توقيع عدل آخر وخطاب القاضي، أم يكتفى فيهابتوقيع العدل المختص الواحد ووضع خاتمه على النسخة والتأشير عليها بعبارة “نسخة مطابقة لأصلها“؟.
وللإجابة عن هذه التساؤلات والإشكالات يجدر بنا أن نقسم المبحث إلى ما يلي:
أولا- أرشيف القاضي المكلف بالتوثيق
أرشيف القاضي المكلف بالتوثيق يمكن تقسيمه إلى قسمين، أرشيفالقانون الماضي – أي القانون رقم 16.03 – وهو حفظ ورقي، وأرشيفالقانون الحالي – أي القانون رقم 051.26- وهذا سيكون حفظا ورقيا رقميا بحول الله وقوته.
أما أرشيف القانون الماضي فنصت عليه المواد من 87 إلى 90، وتسليم النسخ من هذا الأرشيف يتم وفق الطريقة الورقية الجاري بها العمل منذ زمان ووفق الشروط والضوابط المنصوص عليها في هذه المواد نفسها.
والجديد في هذا الأمر أن النسخ ستستخرج على يد عدلين لكون مهنة النساخة نسخت ولم يبق للنساخ أي وجود قانوني، فقد نصت المادة 87 على أن القاضي المكلف بالتوثيق يعين عدلين من بين العدول التابعين لدائرة نفوذه لاستخراج النسخ المذكورة، مع اعتماد التناوب في ذلك بتنسيق مع رئيس المجلس الجهوي للعدول المختص، وعلى أنه يجب على العدلين المعينين أن يحافظا، تحت مسؤوليتهما، على النظائر وسجلات التضمين، وأنه يمنع عليهما نقلها خارج مقر المحكمة.
أما أرشيف القاضي حسب القانون الجديد فنصت عليه المواد 79 و81 و82 و86 منه، وهذا الأرشيف يمكن الرجوع إليه في حالتين استثنائيتين لا ثالثة لهما وهما:
وكما هو واضح من خلال مقتضيات المادة 81 أن الأمر هنا يتعلق بتسليم أصل الوثيقة أو الشهادة –مؤقتا- وليس نسخة منها كما هو الشأن في أرشيف القاضي المتعلق بسجلات التضمين والنظائر السابقة.
والتساؤل الكبير هنا هو ما هي الضمانات التي تلزم الجهة التي تسلمت الأصول بإرجاعها للعدل المعني بها؟. لا سيما وأن المقتضيات المذكورة لم تحدد لذلك أجلا معينا، وإذا ما أرجعت الأصول أو لم ترجع فما هي الإجراءات التي ينبغي اتخاذها من طرف العدل المعني بالأمر وكذا من طرف القاضي؟.
ولذلك فإنه إذا مرت مدة زمنية معقولة ولم ترجع الأصول فيتعين على العدل المعني بالأمر إشعار القاضي بذلك قصد اتخاذ الإجراءات الضرورية لإرجاع الأصول إلى مكانها.
ويلاحظ هنا أنه في الحالة الأولى أن العدل الواحد المختص هو الذي يوقع النظير وهو الذي يشهد بمطابقته للأصل، وليس العدلان، بينما في الحالة الثانية فإن العدلين معا يشهدان بمطابقة النظير لما هو مضمن بالنظير المحفوظ لدى القاضي ثم يوقعان ويضعان خاتمهما على كل صفحة من صفحاته.
وبذلك يبدو جليا أن أرشيف القاضي في القانون الجديد لا تسلم منه النسخ ولا النظائر إلا في الحالتين المذكورتين، ولذلك فحفظ القاضي حفظ خاص واستثنائي لا يلجأ إليه لاستخراج النسخ للأطراف، وتسليمه للنسخ أو النظائر إلا في الحالتين المذكورتين.
بقي أن نشير إلى أن القانون الجديد يتحدث عن ثلاثة أنواع من النظائرلاعتبارات مختلفة، فهناك نظائر تسلم إلى المتعاقدين وهي التي يحتفظ بها القاضي والعدول، ثم هناك نظائر تحل محل الأصل في الحالات المشار إليها أعلاه. وهناك نظائر بمعنى الصورة طبق الأصل، ومنها من توقع بعدل واحد ومنها من توقع بعدلين.
ثانيا – أرشيف مكتب العدل المحتفظ بأصل ونظير الوثيقة المخاطب عليهما
لقد سمى القانون الجديد بالمكتب العدلي إلى مصاف المرافق العمومية، ونص على جعله أرشيفا وحفظا لأصول العقود والشهادات والسجلات وتسليم نسخ الوثائق العدلية لمن يحق له طلبها، بل سيصبح المكتب العدلي المختص هو الجهة الأساسية لتسليم هذه النسخ طبقا للقانون الجديد.
فقد نصت المادة 80 منه على أنه يجب على العدل الذي ضمنت البيانات الموجزة للعقد أو الشهادة بسجل البيانات الخاص به، أن يحفظ بمكتبه وتحت مسؤوليته وبصفة دائمة، أصل ونظير الوثيقة المخاطب عليه، وسجل البيانات الموجزة الذي يجب عليه أن يقدمه بعد ملئه للقاضي المكلف بالتوثيق من أجل ختمه، وأنه يجب عليه أن يحتفظ كذلك، بنسخ الوثائق والمستندات الملحقة بالوثيقة لمدة عشر (10) سنوات تحتسب من تاريخ الخطاب، مع مراعاة المقتضيات المتعلقة بالأرشيف، وبالاحتفاظ بالوثائق المحاسبية وفق التشريع الجاري به العمل.
وهذا الحفظ أو الأرشيف هو الذي سيصبح الجهة الأساسية في تسليم نسخ الوثائق العدلية التي ستقام في إطار القانون الجديد، إذ نصت المادة 84 منه على أنه: يتولى العدل المحتفظ بأصل الوثيقة ونظيرها المخاطب عليهما استخراج نسخ منه، تحت مسؤوليته، بناء على طلب أحد أطرافها أو وكيله أو ورثته، وذلك وفقا للمسطرة التوثيقية المنصوص عليها في هذه المادة.
مفاهيم النسخة في القانون الجديد:
كما نصت المادة 85 على أنه: يقصد بالنسخة الصورة الشمسية لنظير الوثيقة المخاطب عليها، والتي يتولى العدل التوقيع عليها ووضع خاتمه على كل صفحة من صفحاتها والتأشير عليها بعبارة ” نسخة مطابقة لأصلها” مع ذكر تاريخ التأشير والاسم الكامل لطالب النسخة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف الإلكترونية أو أي وثيقة تثبت هويته ومراجع الإذن الصادر عن القاضي المكلف بالتوثيق عند الاقتضاء.
والإشكال هنا كما سلفت الإشارة إليه أعلاه، هل تحتاج نسخ الوثائق العدلية التي يستخرجها العدل المعني بالأمر إلى توقيع عدل آخر وخطاب القاضي، أم يتم الاكتفاء فيها بتوقيعه ووضع خاتمه على النسخة والتأشير عليها بعبارة “نسخة مطابقة لأصلها” كما ورد في المادة 85 المذكورة،
الذي يبدو واضحا من منطوق المادة وعباراتها الصريحة أن توقيع العدل الواحد المختص ووضع خاتمه على النسخة والتأشير عليها بعبارة “نسخة مطابقة لأصلها” كافية ولا تتوقف على توقيع عدل آخر أو خطاب القاضي عليها، لأنها لو كانت محتاجة إلى ذلك لنص القانون عليه صراحة، ولأنه من جهة أولى فإن أصل العقد أو الشهادة أو نظيرهما موقعان من طرف عدل آخر ومخاطب عليهما من طرف القاضي، ومن جهة ثانية فإن النسخة في الغالب ستكون مكونة من صفحة واحدة، وبالتالي سوف لا تسع ثلاثة توقيعات وثلاث خواتم وأربعة تواريخ بالهجري والميلادي، وهذا إذا لم نضف إلى ذلك ذكر تاريخ التأشير والاسم الكامل لطالب النسخة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف الإلكترونية أو أي وثيقة تثبت هويته ومراجع الإذن الصادر عن القاضي المكلف بالتوثيق عند الاقتضاء.
وبهذه المناسبة وكما سلفت الإشارة في سجل البيانات الموجزة أن مراجع تاريخ التأشير والاسم الكامل لطالب النسخة وما عطف عنها ينبغي ذكره في سجل البيانات الموجزة وليس في ورقة النسخة، لأنه لا يعقل أن ينص القانون على أن الوثيقة العدلية تحرر فقط بواسطة الحاسوب، ثم يسمح بأن تهمش وثيقة النسخة -التي هي عبارة عن صورة شمسية لنظير الوثيقة المخاطب عليها – بكتابة أربعة سطور أو أكثر بخط اليد، مع توقيع العدل عليها ووضع خاتمه على كل صفحة من صفحاتها.
وإذا لم يقبل هذا المقترح فيمكن أن تكون هناك ورقة مستقلة ترفق بوثيقة النسخة يشار فيها وجوبا إلى ذكر هذه المراجع، وإلا فإن ورقة النسخة ستخرج مملوءة بكتابة خط اليد وستفقد كل مصداقيتها ورسميتها وسنعود بها إلى ما قبل قانون 16.03.
ومفهوم النسخة هنا، يختلف عن مفهوم النسخة في المادة 63 من هذا القانون، لأن هنا يتعلق الأمر بنسخة نظير الوثيقة المخاطب عليها من طرف القاضي، بينما نسخ العقود والشهادات الواردة في المادة 63 لا يشترط فيها بالضرورة أن تكون مخاطب عليها من طرف القاضي لا سيما حينما يتعلق الأمر بالنسخ التي تقدم لمكتب التسجيل لاستيفاء واجبات التسجيل والتنبر، علاوة على أن القاضي لا يخاطب على العقود والشهادات الخاضعة للتسجيل إلا بعد أداء هذه الواجبات.
وهناك مفهوم آخر لنسخة أخرى وهي التي تسلم من أرشيف القاضي وفقا للقانون السابق، ولها أحكامها وشروطها وشكلياتها المعروفة لدينا منذ زمان وهي المنصوص عليها في المواد 87 إلى 90. دون أن ننسى النسخ التي يمكن تسليمها من أرشيف وزارة العدل بعد صدور نص تنظيمه.
ثالثا- أرشيف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل (الحفظ الإلكتروني)
نصت المادة 83 على أنه مع مراعاة النصوص التشريعية المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الحفظ الإلكتروني لجميع الوثائق المنجزة من قبل العدول، ويلزم كل عدل، تحت طائلة المتابعة التأديبية، بالإيداع الإلكتروني لها، يوما بيوم، في المنصة الرقمية التي تعدها السلطة الحكومية المذكورة لهذا الغرض،وأنه لا يجوز الاطلاع على البيانات المضمنة بهذه الوثائق أو أخذ نسخ ورقية أو إلكترونية منها إلا بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، أو بناء على مقرر قضائي، وعلى أنه تحدد بنص تنظيمي كيفيات الحفظ الالكتروني للوثائق، وكذا إجراءات استخراج نسخ منها.
ومعنى هذا أنه يمكن تسليم نسخ ورقية من هذا الأرشيف الإلكتروني الذي ستشرف عليه وزارة العدل، وذلك بناء على قرار منها، أو بناء على مقرر قضائي، ويبدو أن هذا الأرشيف سيكون أشد خصوصية من أرشيف القاضي المكلف بالتوثيق؛ وستكون حالات استخراج النسخ منه عند الضرورة القصوى.
والحديث عن ذلك سيكون مفيدا حينما يصدر النص التنظيمي المتعلق بهذا الأرشيف.
