بركة: السيادة لم تعد سياسية فقط… بل غذائية ومائية واقتصادية
الرباط اليوم
في خطاب سياسي مطول، ألقاه نزار بركة بمناسبة الذكرى الـ52 لرحيل الزعيم الوطني علال الفاسي، قدّم الأمين العام لحزب الاستقلال قراءة شاملة لمسار الدولة المغربية، مؤكداً أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من معركة الاستقلال، لم تعد تقتصر على التحرر السياسي، بل تمتد إلى بناء سيادة استراتيجية متعددة الأبعاد.
استهل بركة كلمته باستحضار رمزية علال الفاسي، معتبراً أن تخليد ذكراه ليس مجرد وفاء لزعيم وطني، بل مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل المغرب. وأوضح أن الاستقلال الذي تحقق سنة 1956 لم يكن غاية في حد ذاته، بل محطة أولى في مسار طويل يهدف إلى تمكين المغرب من التحكم الكامل في مصيره.
وشدد على أن العالم اليوم يشهد تحولات عميقة، تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتداعيات الأزمات الصحية والمناخية، وهو ما أعاد بقوة مفهوم السيادة إلى واجهة النقاش الدولي. وفي هذا السياق، اعتبر أن المغرب اختار، تحت قيادة محمد السادس، نهجاً قائماً على ترسيخ الاستقلالية الاستراتيجية، بما يضمن تموقعاً أقوى للمملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأكد بركة أن السيادة لم تعد مفهوماً ضيقاً، بل أصبحت تشمل أبعاداً متعددة ومترابطة، من بينها السيادة الغذائية والمائية والصحية والطاقية والصناعية والرقمية. واعتبر أن هذه الأبعاد تشكل منظومة متكاملة، لا يمكن تحقيق أحدها دون الآخر.
وأشار إلى أن هذا التصور كان حاضراً في فكر علال الفاسي، الذي دعا منذ الاستقلال إلى استكمال السيادة الوطنية عبر التحكم في الثروات وبناء اقتصاد وطني قوي، وهو ما يعكس، حسب بركة، استمرارية المشروع الوطني عبر الأجيال.
وفي محور الوحدة الترابية، شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن قضية الصحراء المغربية عرفت تحولات نوعية خلال السنوات الأخيرة، بفضل الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس.
وتوقف عند القرار الأممي رقم 2797، معتبراً أنه يشكل منعطفاً حاسماً في مسار النزاع، من خلال تكريس مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية. كما أبرز أن هذا التطور ترافق مع دعم دولي متزايد لمغربية الصحراء، ما يعزز موقع المغرب في المنتظم الدولي ويفتح آفاقاً جديدة للتسوية النهائية.
وأكد بركة أن الحزب سيواصل التعبئة الوطنية، إلى جانب مختلف الفاعلين، من أجل التعريف بمضامين الحكم الذاتي وتثمين المكاسب المحققة في الأقاليم الجنوبية.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، أبرز بركة أن المغرب نجح في بناء دبلوماسية قائمة على تنويع الشراكات، بعيداً عن منطق الاصطفاف الأعمى. وأوضح أن المملكة تربطها علاقات استراتيجية مع قوى دولية كبرى، إلى جانب حضور متزايد في إفريقيا والعالم العربي وآسيا.
واعتبر أن هذا التوجه مكّن المغرب من تعزيز استقلالية قراره، والتحول إلى فاعل إقليمي صاعد، قادر على لعب أدوار محورية في تحقيق الاستقرار والتنمية.
اقتصادياً، شدد بركة على أن السيادة الاقتصادية تعني قبل كل شيء حماية المواطنين من تقلبات الأسواق العالمية، وضمان العيش الكريم. وأكد أن الدولة القوية ليست فقط تلك التي تحقق نسب نمو مرتفعة، بل التي تنعكس سياساتها إيجاباً على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تعزيز الإنتاج الوطني، وتقوية جاذبية الاستثمار، وتحديث النظام الضريبي، مع التصدي للمضاربات والامتيازات غير المشروعة التي تساهم في ارتفاع الأسعار.
كما اعتبر أن الحفاظ على القدرة الشرائية يشكل جزءاً أساسياً من الأمن الاستراتيجي، محذراً من أن تفاقم الغلاء قد يؤدي إلى هشاشة اجتماعية تؤثر على الاستقرار العام.
وفي ما يتعلق بالسيادة المائية، أكد بركة أن المغرب انتقل من تدبير ظرفي للأزمات إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، تقوم على تنويع مصادر المياه، وبناء السدود، وتطوير تحلية مياه البحر، واعتماد تقنيات حديثة في تدبير الموارد المائية.
أما على مستوى الأمن الغذائي، فشدد على أن الهدف ليس تحقيق الاكتفاء الذاتي المطلق، بل بناء قدرات وطنية قادرة على تأمين الحاجيات الأساسية في أوقات الأزمات، مع دعم الفلاحة الاستراتيجية وتعزيز المخزون الغذائي.
وفي البعد الاجتماعي، أكد بركة أن السيادة لا يمكن أن تكتمل دون عدالة اجتماعية ومجالية، تضمن توزيعاً منصفاً لثمار التنمية. وأوضح أن الدولة القوية هي التي يشعر فيها كل مواطن بأنه جزء من المشروع الوطني.
وأشار إلى أهمية الاستثمار في التعليم والتكوين والبحث العلمي، باعتبارها ركائز أساسية لبناء مجتمع المعرفة، القادر على مواكبة تحولات العالم الرقمي والتكنولوجي.
وفي ختام خطابه، شدد نزار بركة على أن المغرب يعيش اليوم مرحلة جديدة من مسار بناء الدولة، تختلف في أدواتها عن مرحلة التحرر من الاستعمار، لكنها تحمل نفس الروح الوطنية.
وأكد أن التحدي الأكبر يتمثل في بناء سيادة استراتيجية شاملة، تجعل المغرب أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر استقلالية في قراره، وقادراً على تحقيق تنمية مستدامة لفائدة جميع المواطنين.
خطاب بركة، الذي جمع بين استحضار التاريخ واستشراف المستقبل، يعكس توجهاً سياسياً يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقلال في سياق عالمي متغير، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالحدود، بل بقدرة الدول على التحكم في مصيرها بكل أبعاده.
