الرباط اليوم
في البرنامج الحكومي 2026-2031، لا تظهر مقترحات حزب الاستقلال الواردة في «وطني.. مستقبلي» كاقتباسات مباشرة، بل كعناصر أعيدت صياغتها ودمجها ضمن أولويات أوسع. يظهر ذلك بوضوح في ملفين: تماسك الأسرة، وإعادة تنظيم مسالك توزيع المواد الغذائية لحماية القدرة الشرائية.
في الملف الأسري، يخصص البرنامج الحكومي مرتكزاً للأسرة والهوية ومنظومة القيم. يقر بأن هشاشة أوضاع الأسر تعود في المقام الأول إلى أسباب اقتصادية مرتبطة بالسكن والشغل وغلاء المعيشة، ويلتزم بتشجيع الشباب المقبلين على الزواج بدعم مالي يصل إلى خمسة آلاف درهم، وتتبع إصلاحات مدونة الأسرة بتقرير سنوي، وإحداث مهنة «المساعد الأسري» وتنظيم خدمات الرعاية المنزلية، وتعزيز التضامن بين الأجيال، وحماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي، بما في ذلك حظر ولوج من هم دون الخامسة عشرة إلى منصات التواصل والألعاب الخطرة.
هذه المقتضيات تعيد إنتاج جوهر ما طرحه الاستقلال في محوره الأول: الدعم المالي نفسه للمقبلين على الزواج، والاهتمام بالتحضير للحياة الأسرية، ودعم الأسر الراعية للمسنين وذوي الإعاقة، وتدابير الحماية الرقمية للناشئة. غير أن البرنامج الحكومي يربط هذه الإجراءات أكثر بالسكن والشغل والقدرة الشرائية ككل، بدلاً من تقديمها كحزمة مستقلة تحت عنوان «منحة الانطلاقة الأسرية» كما وردت في البرنامج الحزبي.
أما في القدرة الشرائية، فيظهر التأثر أكثر وضوحاً في الجانب التنظيمي. الاستقلال اقترح إحداث شركات جهوية لاقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، تقوم بالتجميع المباشر من المنتجين والتعاونيات، وتأهيل أسواق الجملة، إلى جانب آلية لتتبع هوامش الربح على السلع الأساسية. البرنامج الحكومي يتبنى الفكرة نفسها تقريباً، لكنه يعيد تسميتها وصياغتها: «شركات جهوية أو منصات مهنية للتجميع والتسويق» في أحواض سوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق.
يشدد النص الحكومي على أن هذه البنيات لا تشكل وسيطاً عمومياً يحتكر الشراء وإعادة البيع، بل توفر خدمات التجميع والفرز والتوضيب والتبريد والنقل، وتعمل وفق دفتر تحملات وتدقيق سنوي وشفافية في الأسعار، وتفتح أمام مختلف الفاعلين. ويرافق ذلك تحديث أسواق الجملة إلى منصات متعددة المنتجات، وتوسيع عقود التوريد المباشر بين التعاونيات وتجار التقسيط، وإرساء منظومة وطنية لتتبع الأسعار والمخزونات والهوامش.
الفرق الجوهري يكمن في التحول من صيغة أقرب إلى التدخل المباشر في السوق، كما طرحها الحزب، إلى بنية لوجستية وتنظيمية تهدف إلى تقصير السلسلة وتعزيز قوة تفاوض الفلاح دون خلق احتكار جديد. كما أن بعض التفاصيل التي ألح عليها الاستقلال، مثل آلية الادخار التحفيزية المرتبطة بمنحة الانطلاقة، لا تظهر بنفس الوضوح في الوثيقة الحكومية.
النتيجة أن البرنامج الحكومي يعكس قدرة بعض المقترحات الحزبية على عبور عتبة الانتخابات، لكنه يعيد تأطيرها ضمن منطق أوسع يركز على النجاعة والمنافسة والتكامل بين الإنتاج والتوزيع. ويبقى الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت هذه الشركات والمنصات ستُقاس بنجاحها في تقليص الفارق بين سعر المنتج وسعر التقسيط، لا بعدد الهياكل المحدثة، وما إذا كان دعم الزواج سيُربط بمسارات حقيقية للسكن والشغل حتى لا يظل إجراءً معزولاً.
