الرئيسية | سياسة

هذه بعض المخاطر التي تهدد استقرار النظام السياسي المغربي! (بقلم الدكتور بنيعقوب)

blank
نشر في 19 ديسمبر 2024 - 21:01

الرباط اليوم

د. إدريس بنيعقوب

يذكرنا تاريخ المغرب في محطات بالغة الأهمية من ممارسة الحكم والسلطة، بأزمات كادت أن تعصف بالنظام الملكي وبالدولة المغربية ككل، لولا اللطف الرباني الخفي!
يذكرنا التاريخ بأزمة الثلاثون سنة للحكم من 1727 بعد وفاة السلطان المولى إسماعيل إلى سنة 1757، حين تولى السلطان المولى سيدي محمد بن عبد الله. ما بين السلطانين عاش المغرب شبه حرب أهلية وتطاحن حول الحكم، ومؤامرات وانقلابات، وتجييش للعلماء والزوايا والقبائل لمساندة هذا أو ذاك، وهي كلها أفعال ولدت من رحم المخزن، ولم تنشأ انطلاقا من رغبات المجتمع أو من خارج المخزن!

كما يذكرنا التاريخ بحجم الخيانات والحمايات والمخالطات مع الدول الأجنبية، فهي حمايات “بالتقسيط” للمغرب وللمغاربة، متنوعة الأهداف والأطماع، لاسيما منذ أواسط القرن 19 وبداية القرن 20. بعضها كان بهدف التملص من جبروت السلطان، الذي رأى فيه البعض إن هو إلا جبار وما هو من المصلحين. وبعضها كان بهدف تهرب التجار ورجال الأعمال من أداء الضرائب للسلطان، وبعضها كان من أجل عشق الأجنبي وشكله المتحرر من القيود الدينية والثقافية والفكرية.

غير أن بعضا من هذه الحمايات القنصلية أو الأجنبية للمغاربة، كان أخطر من الحمايات المذكورة، بحيث أنه كان شمل بعض أركان الدولة ورجالها وقيادها وعمالها و وزرائها وشيوخ زواياها حينها وغيرهم… وهي نفس عقلية الخيانة من الداخل، التي دفعت فيما بعد قياد الاستعمار لمحاولة قلب النظام الملكي العلوي مطلع الخمسينيات، والتي لا شك هي عقلية لازالت مستمرة إلى الآن، في غطاء عصري وحديث، سواء في شكل حمايات كبرى وحكايات فرعية داخلية، في أعلى هرم تسلسلها يقيع فاعلون أجانب قدامى أو فاعلون أجانب جدد!

لقد تحدث المؤرخون بإسهاب عن حالة الاحتماء بالأجنبي التي صارت حينها تشبه الفوضى مع مطلع القرن 20، بعد لجوء عدد من قياد الدولة و وزراءها إلى حماية الدول الأجنبية من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، للاستقواء على سلطة المخزن وعلى السلطان، الذي لم يتوفق في صدهم من خلال بناء رؤية وطنية توحد وتقوي المغرب. فصار هؤلاء المحميون الكبار من أبناء المخزن، ومن رجال الأعمال وبعض شيوخ الزوايا والقبائل، يهددون وحدة البلاد ويتآمرون على قلب النظام، إلى أن جاءت الحماية الفرنسية”بالجملة” للمغرب ككل، لتضع حدا لهذا الانفلات وتعيد بناء الدولة على أساس نظامها الملكي.

لقد كانت أهم مصادر المخاطر الجدية والحقيقية والخطيرة التي هددت وجود الدولة والنظام السياسي ككل، إما من داخل دواليب الدولة والمخزن، أو من قبل رجال الأعمال والمال وكبار التجار المخالطون لتجار الخارج. بل واستمرت نفس المخاطر إلى ما بعد الاستقلال مع كل محاولات الانقلاب والتنكيل بالشعب، المخاطر كانت حقيقية من داخل دوائر الدولة على الدولة نفسها، ولم يكن مصدرها الأحزاب السياسية أو التنظيمات المدنية المتنوعة، أو عموم الشعب المنهك. فلا مظاهرات ربيع 1965 أسقطت النظام، ولا أحداث الريف، قبل ذلك في سنة 1958 فعلت، ولا بعدها بزمن طويل فعلت تظاهرات الربيع العربي سنة 2011. فكلها لم تكن سوى صرخات ألم تحت الضغط ضخمتها أدوات من داخل المخزن، فهناك تظاهرات احتجاجية خلال السنوات الأخرى حول غلاء المعيشة مثلا، كان واضحا أنها لم تكن حقيقة شعبية، بقدر ما كانت مفتعلة في معركة لي الأذرع وكسر العظام من أجل التموقع داخل الدولة. فهل قطع المغرب مع نوعية هذه المخاطر القادمة من داخل دهاليز الدولة، أم أنها لازالت تتربص بالنظام السياسي ككل من داخل الدولة نفسها؟!

سقوط نظام عائلة بشار الأسد في سوريا، و بقاء الحد الأدنى من الدولة هناك، يعيد رسم معالم نموذج سقوط الأنظمة إلى الواجهة. فكم من نظام بدت عليه شواهد القوة والاستقرار والصمود، بات قاب قوسين من “نجاح” محاولات الهدم والانهيار في لمح البصر. استحضر هنا محاولة تغيير النظام التي جرت في كوريا الجنوبية مؤخرا، وهي دولة تعد أحد أهم التجارب الناجحة في التنمية والصعود في العالم. وكم من نظام تباهى خصومه بضعفه وترهله وقرب انهياره، فاستمر لعقود طويلة، لسبب أو لآخر من جملة ذلك، عدم وجود إرادة خارجية تحدد مصيره إلى الزوال.

فإذا ما تكاثفت شروط سقوط أي نظام سياسي كيف كان، قويا أو ضعيفا، فلا شك أنه سيسقط في زمن قياسي ومفاجئ، أو على الأقل تتغير أهم معالمه ومؤسساته حسب توافقات الأقوياء داخله وخارجه. واحتراما لعبر التاريخ، التي لم توجد صدفة في ذاكرة الإنسانية، فإن المغرب وإن كانت تبدو عليه جماليات الصعود والنمو الاقتصادي، في ظل خطاب تسويقي غوغائي وبهرجة تواصلية متعجرفة وأحيانا متفاعلة بسذاجة مع إعجاب الأجانب، لاسيما في شبكات التواصل الاجتماعي تحجب الرؤية والنظر الحقيقي وتقضي على المثقفين وعلى الإعلام الهادف، فإنه ينبغي الإنتباه إلى فرضية وجود عناصر ضعف بنيوية فتاكة داخل الدولة والمجتمع، تؤكدها “شهادات” كثيرة، بل ويكاد المشهد يشبه عملية زرع قنابل موقوتة على جدرانه وفي أسسه، قد تحدث أضرارا، اذا ما انفجرت بسبب أي تهور داخلي أو خارجي!

لقد صارت الأحاديث والروايات، علنية جلية تتطابق أحيانا مع اليقين لدى البعض، أن هناك تحالف يدور ما بين تركيز ضيق وشديد لفئات من التجار ورجال الأعمال في أفلاك سياسية وحزبية معينة، فئة ترامت بجشع للارتزاق بمؤونات وأساسيات عيش المغاربة، وما بين بعض سلطة الدولة تشبه سلطة “قياد” بداية القرن 20.

ورغم قرار تنظيم المغرب للتظاهرات الرياضية الكبرى وعلى رأسها تنظيم كأس العالم لسنة 2030، فإن هذا لا يعد ضمانة كافية للاستقرار، وليس هو بالقناة الطويلة لتصريف التذمر داخل المجتمع، لأن هذه الأنشطة الكبرى وما تعنيه من مشاريع وأموال ضخمة للإنفاق العمومي، من شأنها أن تخلق الأطماع والصراعات الداخلية داخل طبقة رجال الأعمال، وداخل من يواليهم داخل أنساق السلط داخل الدولة، وفي نفس الوقت قد تنشيء كمية جديدة من تعاسة العامة بسبب ارتفاع تكاليف العيش بسبب ارتفاع النفقات العمومية على مشاريع الرياضة، وليس على بناء إنسان مغربي متعلم، قوي الشخصية وكريم العيش وذو وعي سياسي واجتماعي عميق بمفهوم الانتماء والبناء الوطني.

وعلى ما يبدو أن من أبرز المخاطر على الاستقرار المغربي في السنوات المقبلة، هو هذا التحالف الخطير ما بين رواد النيوليبرالية داخل الحكومة وداخل منظومة المال والأعمال في جميع القطاعات من المدرسة إلى الصحة إلى الاستيراد إلى سوق الدواجن والغذاء إلى الصناعة والفلاحة واللائحة طويلة عريضة، وبين ذوي الطموح الاقتصادي داخل سلطة الدولة، الذي ينتج عنه بالضروره مساع قانونية وتنظيمية وسلطوية وتضارب مصالح واستهتار بالدستور والقانون، لحماية هذه الفئة من التجار النيوليبراليين، وقد بدت بعض معالم هذه الحماية في قانون المالية لسنة 2025، وفي نصوص تنظيمية وقانونية متعدد. كما ظهر عنوان هذه الحماية في الدعم الذي يتلقونه بمناسبة تموين السوق المغربية بضرورات العيش، على غرار دعم استيراد اضحيات أو اللحوم وغيرها، في المقابل لم يكن هناك أي انعكاس ملموس على حياة الناس في المغرب!

وقد يكون التاريخ الاقتصادي لبعض الدول ملهما في استخلاص العبر، خصوصا تلك التي لم تصمد أنظمتها السياسية أو الاقتصادية أمام هزات عنيفة “مفاجئة”، كما حدث مثلا مع دولة الشيلي التي تبنت توجهات النيوليبرالية زمن الديكتاتور بينوتشي أواخر السبعينيات إلى نهاية الثمانينات فيما يسمى بمدرسة ( Chicago boys قد تعادلها عندنا توجهات Akhannouch boys)، فكادت الدولة أن تنهار كليا مع بداية التسعينيات، لولا تلك الإجراءات الاجتماعية الحقيقية والملموسة، التي جاءت بعد ذلك لتقوية الطبقة المتوسطة، واسعاف الفقراء، ولجم جموح طبقة كبار التجار ورجال الأعمال والأبناك.

إلى جانب ذلك لا ينبغي إغفال تأثيرات السياق الدولي، المتميز بحرب غزة وبإدماج من كانوا يوصفون لالإسلاميين المتطرفين “الارهابيين”. هؤلاء كانت تحاربهم وتحاصرهم أمريكا والغرب بشدة، ولم يكن يسمح لهم بأي فعل سياسي، فإذا بهم حاليا يمارسون أهم السلط سواء في افغانستان أو في سوريا، برعاية ومواكبة أمريكية وغريبة.

يبدو أن الغرب اقتنع بأن هؤلاء ليسوا ذلك الخطر العظيم وقد جددوا عددا من أفكارهم وفهموا قواعد اللعبة، وأنهم اذا ما سمح لهم بممارسة السلطة، واذا ما تم فتح حوار معهم لمراجعة عدد من المواقف، للتوافق معهم حول مصالح معينة لكل طرف، فإنهم سيصبحون أكثر ضمانة لمصالح الغرب واسرائيل مقارنة مع أنظمة دول عربية واسلامية أخرى لم تكن متفاعلة بالشكل المطلوب.

إضافة إلى ذلك فهم يتمتعون بشعبية وشرعية “قتالية”، ولهم سلطة دينية على شعوبهم، فتحولوا حاليا إلى نماذج سياسية تنظيمية مغرية، قد تبتز بها أميركا باقي الدول العربية.. هؤلاء الذين كانوا بالأمس القريب يوصفون بالمتطرفين ربما صاروا أكثر أمنا لمصالح الغرب ومزايدا على التعامل مع الغرب من باقي الدول العربية. لذلك قد يتم التفكير في تعميم هذا النموذج الجاري تجريبه في الشرق، وقد تخاطب امريكا عددا من الأنظمة العربية بأنه لا جدوى من حمايتكم ووجودكم، اذا كان هؤلاء “المتطرفون” أكثر نفعا، الشيء الذي قد يضحى متغيرا لتجديد عدد من الأنظمة، وقد يغري شعوبا وتنظميات بذلك.

هذا مجرد تنبيه وتقدير شخصي من منطلق الحذر من الثقة الزائدة والتقاعس في مباشرة اصلاحات حقيقية لعدد من الاختلالات السياسية بسرعة مطلوبة. هي أيضا هواجس ومخاوف تفترض النظر الجدي حول ما يجري في المغرب من تحالفات غير سليمة، بين “محميين” جدد تحوم حولهم شبهات فساد حقيقية وبين بعض كبار رجال السلطة في مركز البلد أو عبر مختلف مراكز جهاته وأقاليمه، في إطار صفقات الشراكة في المشاريع والأرباح، مقابل تسهيل الولوج إلى الدولة سواء بواسطة الانتخابات أو بغيرها. بذلك أصبحت مصلحتهم الشخصية والذاتية، أهم من مصلحة نظام و شعب و بلد بأكمله، بل وإنهم يواصلون عملية العبث ببراغي العرش، إلى حين، ويتمسكون بترتيبات لمؤسسة الإدارة الترابية في شكلها التي تركها ليوطي والبصري وبدون أي إصلاح حقيقي، عن وعي حقيقي وبدون اكتراث للمآلات!

دكتوراه في علم الاجتماع السياسي من جامعة محمد الخامس بالرباط.

blank
blank