هوس الإنجازات والبحث عن شرعية مفقودة لأخنوش
الرباط اليوم
في الوقت الذي يقترب فيه المغرب من استحقاقات انتخابية حاسمة، يبدو أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش يعيش حالة من «هوس الإنجازات» لا تكاد تتوقف. يقدم حصيلة عمله الحكومي أمام البرلمان في أبريل 2026، قبل أشهر من نهاية الولاية التشريعية، وكأنها جواز سفر نحو شرعية جديدة. لكن هذه الإنجازات، مهما كثر عددها واتسعت قائمتها، تبدو وكأنها تبحث عن شرعية مفقودة في أرض الواقع اليومي للمواطن العادي.
الإنجازات التي يتحدث عنها أخنوش – سواء في البنية التحتية أو الإصلاحات الإدارية أو بعض البرامج الاجتماعية – لم تكن مجرد أرقام في تقرير. بل هي مشاريع وصفقات واستثمارات نفعت بشكل مباشر كبار التجار والمقاولين والشركات الكبرى، وأسهمت في تعزيز إيرادات الدولة. مشاريع الطرق السيارة، والموانئ، والطاقة المتجددة، والشراكات العمومية-الخاصة، كلها أفادت الجهات التي تملك رأس المال والنفوذ. أما المواطن البسيط، فلم يلمس منها سوى القليل. الوعود بالعدالة الاجتماعية والرفاهية تبقى معلقة في الهواء، بينما يزداد الشعور بالفجوة بين «الاقتصاد الكبير» و«الاقتصاد اليومي».
الدليل الأوضح على هذا التناقض هو الواقع المعيشي. في ظل هذه «الإنجازات» التي يُروَّج لها بكل فخر، ارتفع ثمن اللحم والخضر إلى مستويات غير مسبوقة. لحم الغنم تجاوز 140 درهما للكيلوغرام في بعض الأسواق، والخضروات الأساسية مثل الطماطم والبصل شهدت زيادات تجاوزت 10 دراهم للكيلوغرام في أسابيع قليلة. هذا الغلاء ليس مجرد «تقلب موسمي» أو نتيجة عوامل خارجية فقط؛ إنه يعكس فشلا في السياسات الاقتصادية التي ركزت على دعم الكبار على حساب القدرة الشرائية للأسر. المواطن يدفع فاتورة أعلى للخضر واللحوم، بينما يُعلن عن «مكتسبات» في الاقتصاد الكلي. كيف يمكن أن تكون إنجازات حقيقية إذا لم تنعكس على جيب المغربي العادي؟
الأمر لا يقتصر على الإنجازات نفسها، بل يمتد إلى توقيت تقديمها. لماذا اختار أخنوش أن يقدم حصيلته الآن، في منتصف أبريل، وليس في نهاية ولاية البرلمان كما هو معتاد، أي في شهر يوليوز أو قبيل الدورة الختامية؟ هل هناك رغبة في «تمرير» النقاش بسرعة، حتى يُنسى الموضوع بسهولة قبل أن يحين موعد الحساب الحقيقي؟ التوقيت المبكر يثير أكثر من تساؤل. ففي الوقت الذي يجب أن تكون فيه الحكومة مشغولة بإنهاء الولاية بمسؤولية، يبدو أن أخنوش يريد أن يغلق ملف الحصيلة مبكراً ليتفرغ لشيء آخر: إعداد الانتخابات داخل حزبه.
في حزب التجمع الوطني للأحرار، أصبح أخنوش الحاكم الفعلي للقرار، حتى بعد انتخاب محمد شوكي رئيساً جديداً للحزب في فبراير 2026. شوكي قد يكون الوجه الرسمي، لكن الجميع يعرف أن الخيوط تُدار من وراء الستار من طرف أخنوش نفسه. بدأ الترتيبات الانتخابية مبكراً: تحالفات، ترشيحات، وإعادة تموضع. تقديم الحصيلة الآن يسمح له بأن «يحسم» النقاش العمومي حول أدائه، ثم ينتقل بكل هدوء إلى مرحلة التحضير الحزبي والانتخابي، بعيداً عن أسئلة البرلمان والرأي العام حول الغلاء والقدرة الشرائية.
هذا الهوس بالإنجازات ليس مجرد حملة تواصلية. إنه بحث محموم عن شرعية سياسية لم تُبنَ على أرض الواقع الاجتماعي. عندما تكون الإنجازات تُقاس بمصالح الكبار، وتُقدم في توقيت يخدم حسابات الحزب أكثر مما يخدم المحاسبة العمومية، فإن المواطن يدرك أن «الشرعية المفقودة» ليست مجرد كلمة، بل هي الفراغ الحقيقي بين الخطاب الرسمي والمعاناة اليومية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستنجح هذه الاستراتيجية في طمس الأسئلة الحقيقية، أم أن المواطنين سيكونون أكثر ذكاءً من أن يصدقوا «هوس الإنجازات» في زمن الغلاء والضغط المعيشي؟
