السنوار وإيران والجزائر: هل أصبحت “حماس” تهديدًا للمغرب؟
الرباط اليوم
هل يتبع السنوار سياسية إيران في تعاطيها مع دول شمال افريقيا والقرب أكثر من الجزائر في توجه خارج التوازن الذي كان يتبعه إسماعيل هنية؟
يبدو أن تهنئة يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أثارت تساؤلات حول دوافع السنوار من وراء هذه الخطوة، خاصة في ظل الوضع السياسي الداخلي الهش في الجزائر. فالعديد من الجزائريين يعتبرون أن تبون لا يملك الشرعية الكاملة حتى بين مواطنيه، نظرًا لما يُقال عن تدخل الجيش في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لترجيح كفته، وهو ما يُثار بشكل متكرر داخل الجزائر وخارجها.
قد يكون السنوار يسعى من خلال هذه التهنئة إلى بناء جسور جديدة مع الجزائر، أو محاولة استغلال مواقف الجزائر المتكررة في دعم القضية الفلسطينية للحصول على دعم سياسي أو عسكري. فالبعض قد يرى في هذا التصرف محاولة من “حماس” لإبراز قوة الجزائر على الصعيد الدولي، حتى وإن كان الواقع يشير إلى عكس ذلك، خاصة في ظل المشكلات الداخلية التي تعاني منها البلاد.
وفي هذا السياق، تزداد التكهنات حول ما إذا كانت الجزائر قد قدمت دعمًا مباشرًا أو غير مباشر لـ”حماس” من خلال تزويدها بأسلحة أو تدريب أفرادها، وهو أمر قد يسعى السنوار إلى استغلاله دبلوماسيًا. فإذا كان هناك دعم ملموس من الجزائر لحماس، فمن المفترض أن يُعلن السنوار ذلك بوضوح، حتى لا يُتهم بأنه يمنح شرعية لنظام يعاني من ضعف في الداخل ويثير الجدل في الخارج.
وفي ضوء عدم إعلان السنوار عن أي دعم ملموس من الجزائر لحركة “حماس”، قد يُفهم أن الرسالة كانت محاولة لخلق انطباع إيجابي في العلاقة مع الجزائر، أو ربما لاختبار رد فعل النظام الجزائري وتحريك مياهه الراكدة في المشهد الإقليمي، خاصة أن الجزائر تحاول دائمًا التوازن بين مختلف الأطراف دون الانحياز العلني لفصيل فلسطيني دون آخر.

بإضافة إلى ما سبق، يمكن تفسير تهنئة يحيى السنوار للرئيس الجزائري عبد المجيد iتبون بأنها تحمل رسالة سياسية موجهة إلى المغرب. فمن خلال هذه الخطوة، قد يكون السنوار يسعى لإظهار تأييد حركة “حماس” لموقف الجزائر العدائي تجاه المغرب، رغم أن المملكة المغربية تلعب دورًا مهمًا في دعم استقرار غزة، سواء من خلال المبادرات الإنسانية أو الدعم الدبلوماسي على الساحة الدولية.
لكن المفاجأة كانت في أن خبر تهنئة السنوار للرئيس الجزائري تبون أثار استغرابًا كبيرًا، حيث يرى العديد من المحللين أنه إذا كان ذلك صحيحًا، فإنها تمثل خطأ سياسيًا كبيرًا يعيد إلى الأذهان التموقع الخاطئ للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية في السابق، ويعطي وصفًا ميكافيليًا لحركة “حماس”. فالانتخابات الجزائرية لم تكن ديمقراطية بحسب العديد من المراقبين، وتحيط بها الشكوك والنزاعات حول الأرقام والمصداقية. بالإضافة إلى أن النظام الجزائري يوصف بأنه نظام عسكري مستبد يقمع الحريات ويهين شعبه ومعارضيه.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بحسب منتقديه، غير مسؤول وغير واعٍ في تصريحاته، حيث يغذي رسميًا العداء مع المغرب ولم يسمح لشعبه بالتظاهر نصرة لغزة. وبالتالي، هناك أهداف سياسية غير أخلاقية في هذه التهنئة، والتي قد تُفسر على أنها محاولة لإضفاء شرعية على انتخابات يرفضها العديد من الجزائريين بسبب نسب التصويت المتدنية، كما أنها تثير استفزاز المغرب كدولة والمغاربة بشكل عام.

قد تكون رسالة السنوار إلى المغرب تشير إلى أن “حماس” قد اختارت أن تصطف إلى جانب الجزائر في سياستها الإقليمية، مما يعكس توازنات جديدة أو حتى تغييرات في التحالفات داخل المنطقة. ويبدو أن السنوار يريد أن يظهر أن حركته على وفاق مع الموقف الجزائري، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع مواقف دول أخرى كالمغرب، الذي يعتبر من أكبر الداعمين للقضية الفلسطينية ويساهم في استقرار غزة عبر تقديم المساعدات الإنسانية والسياسية.
هذه الرسالة قد تكون لها تداعيات على العلاقات الإقليمية، حيث تسعى الجزائر إلى تعميق خلافاتها مع المغرب، بينما يبدو أن “حماس” اختارت أن تضع نفسها في هذا الخندق، في خطوة قد تُفهم على أنها محاولة لإعادة رسم الخارطة الدبلوماسية في المنطقة أو تحريك الأوراق السياسية بما يخدم مصالح الحركة، ولو على حساب علاقاتها مع المملكة المغربية التي تواصل دعم القضية الفلسطينية بشكل مستمر ومعلن.
هذه الخطوة من يحيى السنوار تثير العديد من التساؤلات العميقة حول التوجهات الحقيقية لحركة “حماس” ودورها في المنطقة، مما يدفعنا للتساؤل: هل تحولت “حماس” إلى ذراع جديدة لإيران تهدد به الدول العربية؟ ففي ظل التقارب المعلن بين الحركة وإيران، يظهر أن السنوار ربما يعمل على خدمة أجندة إقليمية تتجاوز مجرد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
وأين هي المقاومة الفلسطينية من كل هذا؟ فإذا كانت “حماس” تدعي أنها تقود المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإن هذه التهنئة وما تحمله من رسائل سياسية قد تثير الشكوك حول أهداف السنوار الحقيقية. هل يتجاوز الأمر حدود مقاومة الاحتلال ليصل إلى دعم سياسات إيران، التي تظهر في بعض الأحيان متحالفة ضمنيًا مع إسرائيل لتحقيق مصالحها الإقليمية؟

تطرح هذه الأسئلة نفسها في ظل تعقيدات المشهد السياسي الإقليمي؛ فهل يسعى السنوار لتحقيق أهداف سياسية بعيدة عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، مثل تعزيز التحالفات مع دول إقليمية كإيران، التي تتعارض مصالحها مع الدول العربية الأخرى؟ وهل تتحول “حماس” إلى أداة في يد إيران لزيادة الضغط على الدول العربية، في وقت يتعاون فيه بعض الفاعلين الإقليميين بشكل متناقض مع إسرائيل؟
في النهاية، تظل هذه الأسئلة مفتوحة وتدعو إلى تفكير أعمق حول مسار حركة “حماس” ومستقبل المقاومة الفلسطينية، في ظل تصاعد العلاقات الإقليمية المعقدة والتحالفات المتغيرة في المنطقة.