المدرسة البلجيكية تصنع الفارق.. وهبي والتيجيني نموذجان لنجاح الكفاءة المغربية
الرباط اليوم
محمد وهبي وإلهام قدري ومحمد التيجيني.. هل آن الأوان لمنح الكفاءات المغربية الجديدة فرصة قيادة التغيير؟
لم يكن الأداء الذي قدمه محمد وهبي على رأس المنتخب الوطني المغربي أمام المنتخب البرازيلي مجرد نجاح رياضي عابر، بل شكل رسالة قوية تؤكد أن الكفاءة والجرأة في اتخاذ القرار يمكن أن تصنع الفارق في وقت وجيز. فقد ظهر المنتخب المغربي بصورة مختلفة، بهوية تكتيكية واضحة وتنظيم جماعي محكم، ما جعل عدداً من المحللين الرياضيين يشيدون بالطريقة التي أدار بها وهبي المواجهة، معتبرين أن المغرب دخل مرحلة جديدة تقوم على الفكر الكروي الحديث.
ولعل أبرز ما ميز تجربة محمد وهبي هو قدرته على فرض شخصيته داخل المجموعة، والابتعاد عن منطق العاطفة والمجاملات، مع الاعتماد على الانضباط والعمل الجماعي والوضوح في الأفكار. وهي عناصر جعلت المنتخب يبدو أكثر توازناً وتنظيماً مقارنة بما كان يقدمه في فترات سابقة، حيث كان النقاش دائراً حول غياب هوية لعب ثابتة في بعض المباريات.
ويبدو أن انتماء وهبي إلى المدرسة البلجيكية لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل كان عاملاً أساسياً في تكوين شخصيته التدريبية، إذ تعتمد هذه المدرسة على التخطيط العلمي، والصرامة في العمل، وإعطاء الأولوية للكفاءة والنتائج بدل الاعتبارات العاطفية أو الحسابات الضيقة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت الثقة في محمد وهبي قد أنتجت هذا النموذج الجديد داخل المنتخب الوطني، فلماذا لا يتم تعميم هذه الفلسفة على قطاعات أخرى تحتاج إلى نفس الجرأة في اختيار الكفاءات؟ وهل حان الوقت لضخ دماء جديدة في مختلف مواقع المسؤولية ومنح الفرصة لأطر تحمل أفكاراً حديثة ورؤية مختلفة للمستقبل؟
ولا يقتصر نجاح المدرسة البلجيكية على المجال الرياضي فقط، بل يمتد إلى الإعلام أيضاً، حيث استطاع الإعلامي المغربي محمد التيجيني أن يفرض نفسه كواحد من أبرز الوجوه الإعلامية المغربية خلال السنوات الأخيرة، بفضل أسلوبه المختلف في التقديم والتحليل، معتمداً على الجمع بين قوة المضمون وجاذبية الشكل، وهو ما مكنه من بناء قاعدة جماهيرية واسعة داخل المغرب وخارجه.
كما أن التيجيني لم يكتف بالعمل الإعلامي التقليدي، بل خاض تجربة رائدة من خلال تأسيس قناة Maghreb TV في بلجيكا، التي نجحت في الوصول إلى بيوت مغاربة العالم، مقدمة محتوى يلامس اهتمامات الجالية المغربية ويربطها بشكل دائم بالشأن الوطني، في تجربة تؤكد أن المبادرة والابتكار قادران على خلق مؤسسات إعلامية مؤثرة خارج الحدود.
وفي عالم الاقتصاد والأعمال، يبرز اسم المغربية إلهام قدري باعتبارها واحدة من أبرز الكفاءات المغربية التي تنتمي بدورها إلى المدرسة البلجيكية، حيث استطاعت أن تشق طريقها بثبات داخل أكبر المؤسسات الصناعية العالمية، لتصبح من الشخصيات القيادية الأكثر تأثيراً على المستوى الدولي.
ويعد تتويج إلهام قدري خلال السنة الماضية بلقب “سيدة العام” اعترافاً دولياً بمسيرتها المهنية المتميزة، وبقدرة المرأة المغربية على المنافسة في أعلى المستويات، وهو تكريم يعكس قيمة الاستثمار في الكفاءة والتكوين والانفتاح على التجارب الدولية.
إن القاسم المشترك بين محمد وهبي، ومحمد التيجيني، وإلهام قدري، هو أنهم جميعاً استفادوا من بيئة تكوين تعتمد على المهنية والابتكار والاستحقاق، بعيداً عن منطق العلاقات الشخصية أو الحسابات العاطفية، وهو ما مكنهم من فرض أنفسهم كل في مجاله وتحقيق نجاحات لافتة.
وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه هذه النماذج هو أن المغرب يزخر بكفاءات قادرة على قيادة مشاريع التحديث والتطوير إذا ما أتيحت لها الفرصة والثقة الكافيتان. فالتغيير الحقيقي لا يصنعه تكرار الوجوه نفسها، بل تصنعه الأفكار الجديدة، والرهان على الكفاءة، ومنح المسؤولية لمن يمتلك الرؤية والقدرة على الإنجاز.
ولذلك، فإن نجاح محمد وهبي في كرة القدم، ومحمد التيجيني في الإعلام، وإلهام قدري في عالم الاقتصاد، قد يكون رسالة واضحة مفادها أن مستقبل المغرب يحتاج إلى ضخ دماء جديدة في مختلف القطاعات، والاستفادة من الخبرات المغربية التي راكمت تجاربها في الخارج، لأن الاستثمار في الكفاءة يظل الطريق الأقصر نحو تحقيق التنمية والتميز.
