الرئيسية | سياسة

باحثان مغربيان يعيدان قراءة موقع المستشار الملكي بين الثقة والخبرة وحدود الاختصاص

نشر قبل 1 ساعة

الرباط اليوم

أعادت دراسة أكاديمية مغربية حديثة طرح سؤال ظل حاضراً في النقاش السياسي حول موقع المستشار الملكي داخل بنية الدولة، لكن من زاوية مغايرة لا تنطلق من الصور الجاهزة أو التوصيفات السياسية المتداولة، بقدر ما تسعى إلى التمييز بين النفوذ والخبرة والتكليف من جهة، والاختصاص القانوني من جهة أخرى.
الدراسة، التي أنجزها الباحثان المغربيان عبد الرزاق المسكي وأشرف الطريبق، وهما دكتوران في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة ابن زهر، نشرت في عدد غشت 2026 من International Journal for Scientific Research بلندن، تحت عنوان «المستشار الملكي في المغرب.. الثقة الملكية والخبرة الوطنية في خدمة الدولة: دراسة قانونية وسوسيولوجية في قوة المشورة وحدود الاختصاص».
وتحاول الدراسة الانتقال بالنقاش من السؤال السياسي المباشر: «من يملك النفوذ؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: كيف تتحول الثقة والخبرة والقرب من مركز القرار إلى تأثير فعلي، دون أن يعني ذلك تلقائياً امتلاك اختصاص قانوني مستقل؟
المشورة جزء من تاريخ الدولة المغربية
يرجع الباحثان وظيفة المشورة إلى تاريخ الدولة المغربية قبل ظهور الدساتير الحديثة.
فالسلطان كان محاطاً، في فترات مختلفة، بالعلماء والوزراء والكتاب والأمناء وأهل الرأي والخبرة، بينما ظل القرار النهائي منسوباً إليه.
ومن هذه الزاوية، لا تنظر الدراسة إلى المشورة باعتبارها هامشاً على السيادة، بل باعتبارها إحدى الآليات التي تسمح لصاحب القرار بالوصول إلى المعلومات والتقديرات والمعرفة الضرورية قبل الحسم.
وتربط الدراسة بين هذا الامتداد التاريخي وبين تطور الدولة الحديثة، مستحضرة ظهير 7 دجنبر 1955 المتعلق بتنظيم الديوان والكتابة الخاصة لجلالة السلطان، باعتباره محطة من محطات الانتقال من أشكال المشورة التقليدية إلى تنظيم مؤسساتي أكثر وضوحاً.
وبهذا المعنى، ترى الدراسة أن وظيفة المستشار لم تظهر خارج تاريخ الدولة المغربية، بل تطورت داخله مع تطور حاجات الدولة نفسها.
النفوذ ليس اختصاصاً
ومن أبرز الأفكار التي يقوم عليها البحث الفصل بين مجموعة من المفاهيم التي كثيراً ما يجري استعمالها كما لو كانت مترادفة.
فالصفة القانونية، وفق الدراسة، تنتج عن التعيين، والاختصاص يتطلب سنداً قانونياً، والتكليف يرتبط بمهمة محددة، أما النفوذ فيتعلق بالقدرة الواقعية على التأثير في تكوين الخيارات.
أما «التحكم» فيحتاج إلى مستوى آخر من الإثبات، لأنه يفترض وجود قدرة منتظمة على توجيه مؤسسة أو فاعل آخر.
ولهذا يشدد الباحثان على أن قوة مستشار أو قربه من الملك لا تكفيان، في حد ذاتهما، لإسناد اختصاص تنفيذي إليه.
وتستحضر الدراسة تجربة تعود إلى سنة 1961، حين أسندت صلاحيات تنفيذية إلى أحمد رضا اكديرة، بصفته مديراً عاماً للديوان الملكي، بموجب نصوص وتفويضات قانونية خاصة.
وتستخلص من ذلك أن ممارسة صلاحيات تنفيذية من داخل الديوان احتاجت تاريخياً إلى سند مستقل، وهو ما يعني أن مجرد القرب من رأس الدولة أو حمل صفة داخل الديوان لا ينتج بذاته سلطة تنفيذية.
ماذا عن دستور 2011؟
وفي قراءتها لدستور 2011، تشير الدراسة إلى أن النص الدستوري لا ينشئ مؤسسة مستقلة تسمى «مستشار الملك»، ولا يحدد عدداً للمستشارين أو قطاعات موزعة بينهم.
لكنها تحذر من تفسير هذا الصمت في اتجاهين متناقضين.
فهو لا يعني أن المستشار بلا وزن داخل الدولة، كما لا يعني، في المقابل، أنه يتمتع باختصاص غير محدود.
والقاعدة التي تعتمدها الدراسة هي أن الاختصاص ينسب إلى المؤسسة التي يمنحها إياه الدستور أو القانون، بينما يمكن للمستشار أن يمارس أدواراً في المشورة وإعداد الرأي والوساطة والتنسيق أو تنفيذ تكليف ملكي دون أن يصبح، بمجرد ذلك، صاحب الاختصاص الأصلي.
خبرات متعددة حول الملك
وتخصص الدراسة جانباً مهماً لتحليل مسارات عدد من مستشاري الملك محمد السادس.
وتظهر هذه المسارات، وفق الباحثين، تنوعاً واضحاً في مصادر الخبرة: من الهندسة والإدارة والمشاريع الكبرى، إلى القانون الدستوري، والدبلوماسية، والعدالة وحقوق الإنسان، والمالية الدولية، والاستثمار، والثقافة والعمل الاجتماعي.
وتستحضر الدراسة أسماء من قبيل عبد العزيز مزيان بلفقيه، وزليخة نصري، وعباس الجراري، ومحمد المعتصم، وعبد اللطيف المنوني، وعمر عزيمان، والطيب الفاسي الفهري، وعمر القباج، وياسر الزناكي، وأندري أزولاي.
ومن هنا تقترح قراءة هذه الدائرة باعتبارها مجالاً لتجميع خبرات وطنية مختلفة حول رأس الدولة، بدل افتراض أن كل مستشار يشغل، بصورة غير معلنة، موقعاً موازياً لوزارة بعينها.
وتسمي الدراسة هذا المنطق «هندسة الخبرة»، أي جمع مسارات معرفية ومؤسساتية متعددة يمكن الاستفادة منها حسب طبيعة الملف المعروض.
فؤاد عالي الهمة.. اختبار صعب لفرضية البحث
ضمن هذه الخريطة، يحظى المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة بحيز خاص.
فالسبب، بحسب الدراسة، لا يعود فقط إلى حضوره في النقاش السياسي، وإنما إلى طبيعة المسار الذي راكمه؛ إذ جمع بين العمل داخل الديوان، والإدارة الترابية، والحكومة، والبرلمان، والعمل المحلي، والانتخابات والتجربة الحزبية، قبل تعيينه مستشاراً للملك سنة 2011.
وتعتبر الدراسة أن هذا المسار يمنحه رصيداً واسعاً من الخبرة والمعرفة بالمؤسسات، ما يجعل نفي تأثيره أمراً غير واقعي.
لكنها ترفض، في الوقت نفسه، أن يؤدي الاعتراف بالنفوذ إلى افتراض استمرار الاختصاصات القديمة معه بعد مغادرته المناصب التي كان يشغلها.
فما يبقى مع رجل الدولة، وفق هذا التصور، هو الخبرة، والذاكرة، والمعرفة بالفاعلين والمؤسسات والعلاقات المهنية؛ أما الاختصاص القانوني فيظل مرتبطاً بالموقع الذي أنشأه.
متى يصبح الحديث عن «التحكم» قابلاً للإثبات؟
وتقف الدراسة أيضاً عند الخطابات التي نسبت إلى عالي الهمة «التحكم» في مؤسسات أو فاعلين.
وترى أن هذه التصريحات تصلح مادة لفهم تمثلات القوة لدى الفاعلين السياسيين، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات واقع مؤسساتي.
فإثبات التحكم، وفق منهج الدراسة، يحتاج إلى تحديد المؤسسة المعنية، والفعل المنسوب إلى المستشار، والطريقة التي انتقل بها التأثير، ومدى استمراره، ثم النتيجة التي ترتبت عنه.
والقاعدة هنا أوسع من حالة شخص بعينه: كلما ارتفع مستوى الادعاء، ارتفع مستوى الدليل المطلوب لإثباته.
الصحراء المغربية.. التكليف لا يعني نقل الاختصاص
ومن الوقائع التي تستعملها الدراسة لتوضيح الفرق بين المهمة والاختصاص الاجتماع المرتبط بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي الخاصة بالصحراء المغربية في نونبر 2025.
وقد شارك فيه فؤاد عالي الهمة إلى جانب المستشارين الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان، وبحضور وزيري الداخلية والخارجية.
وترى الدراسة أن هذه المشاركة تكشف أهمية المهمة المسندة إلى المستشارين في ملف وطني استراتيجي، لكن بلاغ الديوان الملكي حدد في الوقت نفسه أن الاجتماع انعقد بأمر من الملك وبناء على تعليماته.
ومن ثم تعتبر الواقعة دليلاً على التكليف والثقة الملكية، لا دليلاً على انتقال اختصاصات الوزارات إلى المستشارين.
هل «حكومة الظل» وصف دقيق؟
وتخصص الدراسة قسماً مستقلاً لفحص التعبير الأكثر تداولاً في هذا النقاش: «حكومة الظل».
وتشير إلى أن المفهوم في التجربة البريطانية له معنى مختلف تماماً، إذ يتعلق بجهاز رسمي للمعارضة، أعضاؤه معروفون ويتابعون قطاعات حكومية محددة.
أما الحديث عن حكومة موازية في المغرب، فيتطلب ـ وفق الدراسة ـ إثبات وجود تنظيم جماعي للمستشارين، وتوزيع ثابت للاختصاصات التنفيذية بينهم، وآليات مستقلة قادرة على إنتاج قرارات ملزمة خارج الحكومة الدستورية.
وتخلص إلى أن المادة التي جرى فحصها لا تقدم دليلاً كافياً على وجود هذه البنية.
لكن هذه النتيجة لا تقود الباحثين إلى نفي النفوذ، بل إلى البحث عن مفهوم أدق لفهمه.
«ذاكرة الدولة» و«مأسسة الثقة»
ومن المفاهيم التي تقترحها الدراسة في هذا السياق «ذاكرة الدولة».
والمقصود بها الخبرة التي يراكمها بعض المستشارين عبر سنوات طويلة من المسؤولية، بما يسمح لهم بالاحتفاظ بمعرفة بتاريخ الملفات والمؤسسات والفاعلين، رغم تغير الحكومات والوزراء.
فالملفات الكبرى، خصوصاً الاستراتيجية منها، لا تبدأ مع حكومة وتنتهي معها، بل قد تمتد عبر سنوات أو عقود.
ومن هنا يمكن للخبرة المتراكمة أن تصبح مورداً لاستمرارية المعرفة داخل الدولة.
كما تستعمل الدراسة مفهوم «مأسسة الثقة»، معتبرة أن الثقة الملكية يمكن، عندما ترتبط بالتعيين والخبرة واستمرار التكليف، أن تنتقل من مجرد علاقة شخصية إلى مورد مؤسساتي.
لكن الباحثين يضعان لهذا المفهوم حداً واضحاً: الثقة لا ينبغي أن تتحول إلى شخصنة للدولة، ولذلك يجب الفصل دائماً بين ما يعرفه المستشار، وما يكلف به، وما يستطيع التأثير فيه، وما يملكه قانونياً من اختصاص.
وفي خلاصتها، لا تنفي الدراسة وجود مستشارين ذوي نفوذ قوي، ولا تقلل من أهمية الديوان الملكي في إعداد المعلومات والمشورة والوساطة والتنسيق.
لكنها ترى أن هذا الواقع يمكن فهمه من دون افتراض وجود «حكومة ثانية» خارج المؤسسات الدستورية.
وبذلك تقدم دراسة المسكي والطريبق قراءة تعتبر المستشار الملكي جزءاً من منظومة الخبرة والثقة والذاكرة المؤسساتية المحيطة برأس الدولة، في امتداد لتقليد مغربي عريق في المشورة تطور بتطور الدولة الحديثة.
وهي، في نهاية المطاف، دعوة إلى قراءة الدولة المغربية من داخل تاريخها ونصوصها ومؤسساتها، والتمييز بين ما تثبته الوقائع وما تنتجه الصور السياسية المتداولة.

blank