حفيد “فْواسا” بركة والشطرنج السياسي: كيف هزم تيار ولد الرشيد؟ تفاصيل تنشر لأول مرة
الرباط اليوم
في مواجهة داخلية كانت مليئة بالتحديات والرهانات، تمكن نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، من تجاوز تيار ولد الرشيد الذي يعتبر من أبرز التيارات المؤثرة داخل الحزب. هذه المواجهة لم تكن مجرد صراع سياسي عادي، بل كانت أقرب إلى لعبة شطرنج معقدة، حيث استطاع بركة بخطوات مدروسة وإستراتيجية محكمة أن ينتصر في النهاية.
منذ توليه قيادة حزب علال الفاسي، حرص بركة على ترسيخ سيطرته على اللجنة التنفيذية، مما جعله يتحكم في القرارات المصيرية للحزب رغم فشله عدة مرات قبل المؤتمر الأخير كما تمكن بركة من إبعاد بعض أعضاء المجلس الوطني الذين دخلوا إلى الحزب بهدف التشويش على المؤتمر الأخير، وهو ما اعتبر خطوة حاسمة في معركته لتعزيز نفوذه وتوحيد صفوف الحزب خلف قيادته.
لعب نزار بركة دوره بدهاء، حيث تعامل مع ابن ولد الرشيد “محمد MB”، بمهارة تليق بلاعب شطرنج محترف. استخدم بركة تكتيكات متعددة، مكنته من تجاوز خصومه وإحراز النصر في المعركة الداخلية. وقد تجلى هذا النصر بشكل واضح في تعزيز موقعه كرئيس فعلي للحزب بعد المؤتمر الاخير وتأجيله انتخاب أعضاء اللجنة التنفيدية، مع قدرته على تصفية الأجواء السياسية داخليًا وإحكام قبضته على مفاصل الحزب.
من خلال هذه التحركات، أكد نزار بركة أن السياسة ليست مجرد مواجهة قوة بقوة، بل هي فن التفاوض والتخطيط المدروس. واستطاع بركة أن يثبت أن القيادة الحقيقية تتطلب مهارات تتجاوز مجرد الهيمنة السياسية، لتصل إلى القدرة على قراءة المواقف وتحريك القطع على رقعة الشطرنج بحنكة وذكاء، حتى “موت الملك” الذي يشير إلى تحقيق النصر الحاسم.
في خضم تحركاته الاستراتيجية داخل حزب الاستقلال، لم يقتصر نزار بركة على مواجهة تيار ولد الرشيد فقط، بل نجح أيضًا في فتح حوار مع بعض الأعضاء الذين كانوا محسوبين على تيار حميد شباط، الأمين العام السابق وعمدة فاس السابق. من بين هؤلاء، برز اسم عادل بنحمزة، الذي كان قد فشل في حصد مقعد برلماني عن إقليم الخميسات، ومحمد الكيحل، الذي استطاع أن يضمن لنفسه مقعدًا في مجلس المستشارين عن إقليم سلا.
هذه الخطوة أظهرت قدرة زوج ابنة عباس الفاسي “بركة” على تجاوز التحالفات التقليدية داخل الحزب، وتوسيع دائرة التأييد حوله من خلال التواصل مع مختلف التيارات والفصائل. من خلال هذا النقاش، استطاع بركة أن يعيد رسم الخريطة الداخلية للحزب، مستفيدًا من خبرة هؤلاء الأعضاء وتجاربهم السابقة، وهو ما عزز من موقعه كزعيم يملك القدرة على توحيد الصفوف واستيعاب مختلف الأصوات داخل حزب الاستقلال.
إستراتيجية بركة في التحاور مع تيار حميد شباط أثبتت أن القيادة الحزبية تتطلب ليس فقط القدرة على المواجهة، بل أيضًا القدرة على الحوار وبناء الجسور مع المختلفين، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لتعقيدات السياسة الداخلية للحزب، وقدرته على استيعاب التغيرات والمستجدات لصالح تعزيز موقعه ونفوذه.
داخل تيار ولد الرشيد، لم تخلُ الأمور من التوترات الداخلية، حيث بدأ بعض الأعضاء يعبرون عن غضبهم تجاه محمد ولد الرشيد، الذي كان يعدهم بأحلام كبيرة ويغذي طموحاتهم على أساس أن يتمكن من “تنويم” نزار بركة سياسيًا، مما سيمكنهم من تحقيق أهدافهم الشخصية بأن يصبح أحدهم الأمين العام المستقبلي للحزب.
هذه الاستراتيجية التي اتبعها محمد ولد الرشيد، والتي اتسمت بتقديم وعود كاذبة وتوجيه الأوهام إلى هؤلاء الأعضاء، أدت إلى إحباطهم بعد أن تبين أن نزار بركة ليس بالشخص الذي يمكن السيطرة عليه بسهولة. على العكس، بركة أثبت أنه لاعب سياسي محنك، قادر على المناورة والتحكم في مجريات الأمور، مما زاد من حالة الاستياء داخل التيار الذي كان يعتمد على رؤية ولد الرشيد.
هذا الغضب المتنامي داخل تيار ولد الرشيد يعكس الانقسامات الداخلية والتحديات التي تواجه هذا التيار في ظل قيادة نزار بركة، الذي يبدو أنه نجح في تفكيك هذه التحالفات الهشة، وتحويل الطاولة لصالحه، معززًا بذلك موقعه كقائد لا يُستهان به داخل حزب الاستقلال.
في إطار التحديات التي واجهها نزار بركة في قيادته لحزب الاستقلال، برزت محاولات عدة لتحريك الأوضاع داخليًا من خلال العودة إلى شخصيات قيادية سابقة كانت تدعمه منذ البداية. من بين هؤلاء كان محمد سعود، الذي يُعتبر أحد الأسماء البارزة في الحزب. يُذكر أن نزار بركة كان قد أعلن ترشحه لأول مرة من منزل سعود في العرائش، ما يعكس عمق العلاقة التي كانت تجمعهما.
غير أن الأمور لم تسر على ما يرام بين بركة وسعود، حيث بدأ الأخير يظهر استياءه من بعض القرارات الحاسمة التي اتخذها بركة، والتي اعتبرها سعود بأنها تمثل انفرادًا بالقرار دون التشاور الكافي مع باقي القيادات، مما أدى إلى توتر العلاقة بينهما. في ظل هذه التطورات، كان سعود يتجه إلى دعم تيار ولد الرشيد، الذي اعتبره ربما يمثل فرصة أفضل لمستقبل الحزب.
إلا أن سعود قرر في النهاية التراجع خطوة إلى الوراء من أجل إعادة تقييم الأوضاع، بدلاً من المضي قدمًا في دعم تيار ولد الرشيد بشكل كامل. هذا القرار يعكس رغبته في التفكير مليًا قبل اتخاذ أي خطوات قد تؤثر على تاريخه السياسي داخل الحزب، ويظهر أن التحديات داخل حزب الاستقلال لا تزال قائمة، مع استمرار تقييم القيادات لأداء نزار بركة ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين مختلف التيارات.
وفي ختام هذه المعركة السياسية المعقدة داخل حزب الاستقلال، لم تكن خديجة الزومي، رئيسة المنظمة النسائية الاستقلالية، بمنأى عن الهزائم. الزومي، التي كانت تعتبر إحدى الشخصيات المؤثرة داخل الحزب، خسرت معركتها ضد نزار بركة بعد أن فقدت منصبها المهم كنائبة رئيس البرلمان.
كانت الزومي تُعتبر جزءًا من التحالفات التي كانت تأمل في إضعاف نفوذ نزار بركة داخل الحزب، غير أن استراتيجياتها لم تؤتِ ثمارها. بركة استطاع أن يُحكم سيطرته على القرار السياسي، مما أدى إلى تراجع نفوذ الزومي وفقدانها لمنصبها الحيوي. هذه الخسارة لم تكن مجرد هزيمة شخصية للزومي، بل تعكس التحديات التي تواجهها المعارضة داخل الحزب في محاولتها للوقوف أمام قيادة نزار بركة القوية.
مع هذه التحولات، يظهر بوضوح أن نزار بركة تمكن من تعزيز موقعه داخل حزب الاستقلال، متجاوزًا التحديات التي واجهها من مختلف التيارات والشخصيات البارزة، ومعيدًا ترتيب أوراق الحزب لصالحه.
